عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
66
معارج التفكر ودقائق التدبر
* . . سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ ( 18 ) : أي : قال اللّه عزّ وجلّ بأمر التّكوين عناية بهم هذا القول ، وهذا يدلّ على أنّ كلّ عمل إنسانيّ مقرون بأمر التكوين الرّبّاني . فكانوا يسيرون بقوافلهم غدوّا ويحلّون ، وبعد أن يستريحوا هم وإبلهم ودوابّهم ، وينالوا ما يكفيهم من الغذاء والماء ، يرحلون فيسيرون عشيّا . وجعلهم اللّه في رحلاتهم هذه آمنين . * فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا . . : دعوا ربّهم وهم عصاة له بأن يجعل لهم منازل ينزلون فيها منفردين ، دون أن يراقبهم فيها أهل البلاد القريبة من هذه المنازل . ويظهر أنّ اللّه عزّ وجلّ باعد بين أسفارهم كما طلبوا . * . . وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ . . أي : وصاروا يرتكبون المعاصي والآثام والجرائم ويظلمون بها أنفسهم ، لأنّهم يعرّضونها لعقاب اللّه على ما يكتسبون . * . . فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ . . : أي : فبعد أن كانوا أمّة مشهودة القوّة والمكانة ، أصحاب سيادة بين الأمم ، عزلناهم عن مكانتهم ، وسلبناهم قوّتهم ، وسلّطنا عليهم من غلبهم وصار حاكما عليهم في بلادهم ، وصار مجدهم السّابق أحاديث يتحدّث بها في المجالس ، وقصصا تروى عن أمّة كانت في اليمن ذات شأن ومجد وقوّة . * . . وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ . . : أي : وجزّأناهم غاية التّجزئة في مختلف الأماكن والقرى والمنازل ، لفظ « كلّ » نائب عن مفعول مطلق ، والمعنى : ومزّقناهم تمزيقا كلّ تمزيق .