عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
65
معارج التفكر ودقائق التدبر
هذه القرى الظّاهرة من قوافل السّبئيّين أموالا ، ويشترون منهم بعض ما يحملون من بلادهم في تجاراتهم ، فمن شأن الطّرق الّتي يسلكها المسافرون بكثرة ، أن ينشئ السّكّان القريبون عند كلّ مكان تنزل عنده القوافل مباني لاستراحة أهلها ، وتزويدهم بالماء والغذاء الّذي يطلبونه . وقد أبطرت هذه النّعمة السّبئيّين ، ولعلّ السّبب رغبتهم في أن تكون منازلهم عند حلّهم خاصّة بهم ، لا يشاركهم فيها أحد من أصحاب البلاد الّتي تقع في طريقهم ، إذ لهم في حلّهم أعمال خاصّة ، لا يريدون أن يطّلع عليهم أحد وهم يمارسونها ، فقالوا ربّنا : باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وبعد أن باعد اللّه بين أسفارهم ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي والجرائم ، وربّما كانوا ينحرفون إذا اقتربوا من بعض القرى الظّاهرة عن الطّريق ، ويحلّون في أرض بعيدة عنها ، ثمّ يعودون إلى طريقهم . فعاقبهم اللّه فجعلهم أحاديث تروى ، بعد أن كانوا أمّة ذات شأن بين الأمم ، وشتّتهم في بلدان كثيرة ، ومزّقهم تمزيقا شديدا . * وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً . . ( 18 ) : إنّ اللّه عزّ وجلّ يلهم البشر في ظروفهم المختلفة ما يحقّقون به منافعهم ، فما يحصل في الواقع من أعمالهم هو من جعله - جلّ جلاله وعظم سلطانه - لأنّه الملهم ، وخالق قدرات النّاس ، وخالق ما يصنعون ، فهو الّذي جعل بين السّبئيّين المسافرين من مأرب ، وبين القرى الّتي بارك فيها ، وهي قرى بلاد الشّام ، قرى ظاهرة عند المنازل الّتي تحلّ فيها قوافلهم في نهاية كلّ مرحلة على ما سبق بيانه فيما أرى . * . . وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ . . أي : وجعلنا سيرهم في الأرض الفاصلة بين القرى الظّاهرة مقدّرا بحسب معتاد القوافل المسافرة في حلّها وترحالها ، الملائمين لحاجاتها من الاستراحة والتّزوّد والمسير .