عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
597
معارج التفكر ودقائق التدبر
أي : وتفرّق أتباع الرّسل السّابقين عن الّذي وصّاهم اللّه به من الدّين ، وما تفرّقوا فيه إلّا من بعد ما جاءهم العلم الرّبّانيّ بما أنزل اللّه وفهموه ووعوه ، وكان سبب تفرّقهم البغي الّذي استشرى داؤه بينهم . البغي : تجاوز الحدّ المأذون به في السّلوك الإراديّ ، والعدول عن الحقّ . ويطلق على الكبر ، والظّلم ، والفساد في الأرض . وأصل البغي الحسد ، ثمّ سمّي الظّلم بغيا ؛ لأنّ الحاسد يظلم المحسود جهده ، واتّسعت دلالة البغي حتّى صار يطلق على كلّ تجاوز للحدّ المأذون به في السّلوك الإراديّ ، إلى ما هو ضارّ أو مؤذ أو فيه معصية للّه عزّ وجلّ ولرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم . فتفرّقهم عمّا وصّى به اللّه رسلهم عليهم السّلام من الدّين ، واتّخاذهم فرقا ومذاهب وطوائف شتّى لم يأذن بها اللّه ، قد كان بسبب أنّ البغي بينهم استشرى حتّى فرّق وحدتهم ، ومزّق جماعاتهم ، واختلفت عن دين اللّه أديانهم . أي : فلا تتّبعوا سنن من كان قبلكم يا أمّة خاتم المرسلين ، وسيّد الأوّلين والآخرين ، محمّد بن عبد اللّه النّبيّ الرّسول الأمين ، عليه أفضل الصّلاة وأتمّ التّسليم . القضيّة السّادسة : دلّ عليها قول اللّه تعالى : . . . وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ . . ( 14 ) : أي : ولولا كلمة من كلمات ربّك المحدّدات قضاءه وقدره ، سبقت بتأخير معاقبة الّذين يتفرّقون في الدّين بغيا بينهم ، من بعد أن يأتيهم العلم الرّبّانيّ ويفهموه ، إلى يوم القيامة ، مع تحديد أجل الحساب ، وفصل القضاء ، وتنفيذ الجزاء ، وجعله أجلا مسمّى معلوم الوقت له - جلّ جلاله وعظم سلطانه - لقضي بينهم في الحياة الدّنيا ، عقب تفرّقهم وكفرهم