عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
596
معارج التفكر ودقائق التدبر
كلّ تصاريفه في كونه موافقة كمال الحكمة ، فاجتباؤه لنبوّته ورسالته من يشاء من عباده ، هو الاجتباء الحكيم ، وكذلك تقريبه إليه عبدا من عباده هو الأمر الحكيم ؛ لأنّه تبارك وتعالى عليم بنفوس عباده ، وما في صدورهم من خير أو شرّ ، وهو سبحانه لا يتّبع أهواء النّاس ، ومشيئته لا تفارق حكمته بحال من الأحوال . فرسوله محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل عباده ، ولعلمه به ، اصطفاه بحكمته ليكون خاتم المرسلين عليهم السّلام ، وجعله أقرب المقرّبين إليه ، شاء أصحاب الأهواء المعترضون أم أبوا . القضيّة الرابعة : دلّ عليها قول اللّه تعالى : . . . وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ( 13 ) . أي : وهو جلّ جلاله وعظم سلطانه يهدي بتعليمه وتفهيمه وتوفيقه ، إلى سلوك السّبيل الموصل إلى رضوانه وحبّه ومنازل القرب عنده ، من ينيب رجوعا إليه آنا فآنا حبّا بالتّقرّب إليه ، وحرصا على العمل بمراضيه . المنيب إلى اللّه : هو المتّصف بأنّه ذو رجوع إلى اللّه آنا فآنا ، بقلبه ، ونفسه ، وفكره ، وعمله الظّاهر والباطن ، ما عاش في رحلة امتحانه في الحياة الدنيا . الإنابة : هي الرّجوع مرّة فمرّة بصورة متتابعة . وقد جعل اللّه عزّ وجلّ التّقرّب إليه بمراضيه رجوعا إليه ؛ لأنّ أمر تكوين عبده ذي الإرادة الحرّة صادر عنه ، وقد جعلت الإرادة الحرّة العبد يبتعد عن نظام الطّاعة الجبريّة للرّبّ الخالق ، فالتّقرّب إليه بمراضيه من العبادات هي من قبيل الرّجوع إليه . القضيّة الخامسة : دلّ عليها قول اللّه تعالى بشأن اتباع الرّسل السّابقين : وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ . . . ( 14 ) :