عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
595
معارج التفكر ودقائق التدبر
يقال لغة : « كبر الأمر على فلان يكبر » أي : شقّ وثقل عليه . وسبب ثقله عليهم كراهيتهم اتّباع الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأنّه ليس عظيما من عظماء الحجاز ، وكراهيتهم ترك ما ألفوه من دين آبائهم وأجدادهم ، وترك منافعهم الدّنيويّة ، والتّنازل عن أهوائهم وشهواتهم ومصالحهم ، وكراهيّتهم الالتزام بأحكام الدّين ، وترك المحرّمات ، كالقتل بغير حقّ ، والرّبا ، والزّنا ، وأكل أموال النّاس بالباطل ، والعدوان على عباد اللّه ، ونحو هذه الأمور . القضيّة الثالثة : دلّ عليها قول اللّه تعالى : اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ : الاجتباء : الاصطفاء والاختيار ، يقال لغة : « اجتبى اللّه عبده » أي : اصطفاه واختاره ، وجاء في القرآن فعل اجتبى للدّلالة على اصطفاء اللّه رسله عليهم السّلام لنبوّته ، ورسالته ، وعلى اصطفاء الأمّة المحمّديّة لحمل رسالة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم وتبليغها للنّاس جيلا بعد جيل ، فلا تزال طائفة من هذه الأمّة ظاهرين على الحقّ يبلّغون دين اللّه للنّاس ، طائفة فطائفة ، وهذه الطّائفة لا يخلو منها عصر ، وينطبق عليها أنّها أمّة مجتباة من اللّه لتبليغ دين اللّه والدّعوة إليه . وضمّن فعل : « يجتبي » معنى فعل : « يقرّب » ، فعدّي بحرف « إلى » ، فصارت العبارة : يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ : أي : يصطفي مقرّبا إليه من يشاء من عباده . ولمّا كان من دوافع كفر أئمّة الشّرك في مكّة إبّان التّنزيل ، اعتراضهم على اصطفاء اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم لنبوّته ورسالته ، وجعله مقرّبا إليه ، كان من الحكمة في البيان الرّبّانيّ أن يعلم اللّه عزّ وجلّ المعترضين أنّه يجتبي مقرّبا إليه من عباده من يشاء ، ولمّا كانت اختياراته جلّ جلاله في