عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
542
معارج التفكر ودقائق التدبر
الّذي يبلّغكم إيّاه محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم من عند اللّه حقّا ، ثمّ بعد أن توالى عليكم إنزال سوره وآياته البليغة المعجزة لكم ، والدّاعية إلى الحقّ والهدى والخير ، كفرتم به ، أفكّرتم بالمصير الّذي أنتم صائرون إليه ، وقد اخترتم الضّلال على الهدى ، ومشاقّة اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بوقوفكم في شقّ المحارب المعاند ، وقد دمغتكم براهين كونه من عند اللّه ؟ ؟ . أما تعلمون أنّه لا يوجد أضلّ ممّن يقف موقف المشاقّ للّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأنّه يعرّض نفسه لعذاب أليم خلودا في دار العذاب يوم الدّين ؟ ! . تفكّروا وأخبروني : * . . مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ( 52 ) ؟ ؟ : استفهام يراد به انتزاع اعتراف ذوي الرّأي منهم ، أو إشعارهم في داخلهم بأنّه لا يوجد أضلّ ممّن هو في شقاق بعيد عن اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم . الشّقاق : العداوة والخلاف ، يقال لغة : « شاقّه مشاقّة وشقاقا » أي : خالفه وعاداه . قال الزّجّاج : « الشّقاق : العداوة بين فريقين ، والخلاف بين اثنين ، سمّي ذلك شقاقا ؛ لأنّ كلّ فريق من فرقتي العداوة قصد شقّا ، أي : ناحية غير شقّ صاحبه » . وجاء وصف الشّقاق بأنّه بعيد للدّلالة على أنّ الفاصل بين الشّقّ الّذي فيه الحقّ والهدى والخير ، فاصل بعيد عن الشّقّ الّذي يحتلّه الّذين يكفرون بأنّ القرآن كلام منزّل من ربّ العالمين . قول اللّه تعالى واعدا بإظهار بعض آياته في الآفاق ، وبعض آياته في أنفس النّاس ، وهذه الآيات تبيّن لهم أنّ القرآن حقّ منزّل من عند اللّه الّذي هو على كلّ شيء شهيد ، فهو يتحدّث عمّا في الآفاق وعمّا في الأنفس حديث عليم خبير بالظّواهر والبواطن بصير بكلّ شيء : * سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( 53 ) :