عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
527
معارج التفكر ودقائق التدبر
. . . أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ( 44 ) : أي : إنّهم موغلون في تيه الكفر والضّلال عن صراط الحقّ والهداية ، فهم بعيدون جدّا عن داعي الحقّ بعدا شاسعا ، فلا يسمعون نداءه لهم حينما يدعوهم إلى دين اللّه الحقّ . وهذه العبارة واردة في الكنايات المستعملة عند العرب ، قال الفرّاء : تقول للرّجل الّذي لا يفهم كلامك : أنت تنادى من مكان بعيد . ولمّا كان من سنّة اللّه عزّ وجلّ أن لا يعجّل العقوبات على الكفر في الحياة الدّنيا ، بل يؤخّر ذلك إلى يوم الدّين ، تنفيذا لكلمة عبّر اللّه بها عن تقديره وقضائه بهذا الشّأن ، كان من الحكمة أن يضرب اللّه مثلا عن كفر بعض بني إسرائيل بالتّوراة ، وتأجيل معاقبة الّذين كفروا به إلى يوم القيامة ، فقال اللّه تعالى في آخر هذا الدّرس بضمير المتكلّم العظيم : * وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ( 45 ) : أي : ولقد آتينا موسى كتاب التّوراة ، فاختلف فيه بنو إسرائيل ، فآمن به فريق منهم ، وكفر به فريق منهم ، ولم نقض بين مؤمنيهم وكافريهم في الحياة الدّنيا ، بل أخّرنا ذلك ليوم القيامة تنفيذا لكلمتنا الّتي سبقت بهذا الأمر . وكذلك الحال تكون معاملتنا للمكذّبين الكافرين بالقرآن من أمّتك يا محمّد ، إذا اقتصر أمرهم على التّكذيب والكفر ، ولم يرتكبوا شرورا كبرى تستدعي تطهير المجتمع البشريّ منهم ، لتأثيرهم على إرادات النّاس الحرّة ، الموضوعين بمقتضاها موضع الامتحان في ظروف الحياة الدّنيا . * وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ : تتضمّن تأجيل عقاب الكافرين على كفرهم إلى يوم الدّين ، وهي كلمة عبّرت عن قضاء اللّه وقدره بهذا الشّأن .