عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
525
معارج التفكر ودقائق التدبر
وأمّا الميؤوس من توبتهم ، فلهم عقاب أليم سيأتيهم لا محالة . إنّ ربّك لذو عقاب أليم ، أي : شديد الإيلام لمن يستحقّه من عباده . ومتابعة لما جاء في صدر السّورة من أنّ هذا البيان الرّبّانيّ ، كتاب فصّلت آياته قرآنا عربيّا لقوم يعلمون ، جاء في الآية ( 44 ) بيان حكمة اللّه في إنزاله عربيّا لقوم عرب أقحاح لديهم الاستعداد لتلقّيه وفهم كثير من دلالات آياته ، وحمله وتبليغه للنّاس من غير العرب ، فقال تعالى : * وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ . . . ؟ : أي : لقد أنزلناه عربيّا لقوم عرب أقحاح ، فمنحناهم بهذا الإنزال شرف هذا الذّكر العظيم المنزّل بلغتهم ، فقابلوا هذه المنّة العظيمة بالجحود والكفران ، وبالأقوال الباطلة الّتي صدرت عنهم ، فماذا كانوا يقولون لو جعلناه كتابا أعجميّا يقرأ بلسان ما غير اللّسان العربي ، إنّهم كانوا يقولون : هلّا أنزل كتابا عربيا مفصّل الآيات ، واضح الدّلالات ، وكانوا يقولون أيضا : أكتاب أعجميّ ومبلّغ به عربيّ لا يعرف اللّغة الّتي يخاطب بها ؟ ! ! . إنّ هذا مناف للحكمة . إنّه أنزل بلغة العرب ، وهم أعلم النّاس ببلاغته وأفانين إعجازه البيانيّ ، فقال الكافرون به من العرب الأقحاح : هو سحر ، هو شعر ، هو أساطير الأوّلين ، هو كتاب مفترى على اللّه ، من صنع البشر . كيف يريدون أن ينزل اللّه لهم كتابا ، وهم لا يقبلونه أعجميّا ، ولم يقبلوه عربيّا ؟ ؟ . هذا البيان يدمغهم بالجحود ، والكفران ، والعناد ، والتزام الباطل والإصرار عليه . فعلّم اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقول لهم :