عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

524

معارج التفكر ودقائق التدبر

بحججه وبراهينه ، وأنّه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأنّه تنزيل من حكيم حميد . فكان من الحكمة أن يبيّن اللّه لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ موقف أئمّة الكفر والشّرك من قومه ، مماثل لموقف أمثالهم من الأمم السّابقة تجاه رسلهم عليهم السّلام ، وتجاه ما أنزل اللّه على رسلهم عليهم السّلام ، تشابهت قلوبهم ، وتشابه كفرهم ، وتشابهت أقوالهم ، فقال تعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم : * ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ . . . ( 43 ) : في هذا البيان يهوّن اللّه عزّ وجلّ على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، من وقع أقوال الّذين كفروا على قلبه ونفسه ، بشأن القرآن ، وبشأن تكذيبه واتّهامه بالافتراء على ربّه ، بأنّ الّذين كفروا من الأمم السّابقة قد قالوا لرسل ربّهم لهم مثل ما يقال لك من كفّار قومك ، فلا تبتئس بما يقوله الكافرون ، ولا تكترث له ، ولا تبال به . وأطمع اللّه عزّ وجلّ الّذين يتوبون ويؤمنون بالمغفرة ، وأنذر الّذين يصرّون على كفرهم بعقاب أليم ، فقال تعالى في الشّطر الثاني من الآية خطابا لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم : * ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ . . . ( 43 ) : أي : ما زال بعض قومك لم يصلوا إلى دركة اليأس من توبتهم وإيمانهم ، وإنّ ربّك لذو مغفرة لهؤلاء ، فليس من الحكمة تعجيل العقاب الشّامل لهم جميعا . لوحظ في توكيد الجملة ب ( إنّ - والجملة الاسميّة - واللّام المزحلقة ) حال الّذين لم يصلوا إلى دركة الميؤوس من إيمانهم ، إطماعا لهم بأن يتوبوا ويؤمنوا .