عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

494

معارج التفكر ودقائق التدبر

إنّهم حينئذ بين أمرين : إمّا أن يتلقّوا قضاء اللّه بشأنهم صابرين صامتين ، لعلمهم بأنّه لا تبديل لحكم اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه ، وهذا الأمر يكون من فريق منهم ، دلّ عليه قول اللّه تعالى : * فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ . . : أي : فإن يسكتوا يائسين نادمين صابرين ، فالنّار مكان إقامتهم واستقرارهم الأبديّ . المثوى : مكان الإقامة والاستقرار . يقال لغة : « ثوى بالمكان يثوي ، ثواء ، وثويّا » أي : أقام به واستقرّ . وإمّا أن يعلنوا توبتهم وندمهم ويسألوا اللّه أن يغفر لهم كفريّاتهم وجرائمهم ، وهذا الأمر قد يكون من فريق منهم ، ولكن لا يقبل ذلك ، فهم في حياة الجزاء لا في حياة الابتلاء ، وقد دلّ على هذا الأمر قول اللّه تعالى في الآية : * . . وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ ( 24 ) : أي : وإن يطلبوا سائلين اللّه أن يرفع العتب والملام عنهم ، ويرفع عنهم الجزاء الّذي استحقّوه بذنوبهم وجرائمهم ، فما هم من الّذين يقبل اللّه أن يرفع عنهم الملام والمؤاخذة ؛ لأنّهم أعداء اللّه وكانوا في حياة امتحانهم كافرين به ، ويكذّبون رسله عليهم السّلام ، ويكذّبون بما تبلّغوه عنه . يقال لغة : « استعتب فلان فلانا » أي : استرضاه ليرفع الملام عنه . ويقال : « أعتب فلان فلانا » أي : قبل رفع الملام والمؤاخذة والعقاب عنه . قول اللّه تعالى متابعا بيانه عن أعدائه ، بشأن بعض أمورهم إذ كانوا في رحلة امتحانهم في الحياة الدّنيا : * وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ ( 25 ) :