عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

461

معارج التفكر ودقائق التدبر

وكون ما جاء في القرآن قد اشتمل على أوامر ونواهي وتكاليف تقتضيها ربوبيّة اللّه عزّ وجلّ ، يناسبه أن يذكر أنّه تنزيل من ربّ العالمين . وكون ما جاء في القرآن يشتمل على إعجاز لا يستطيع غير اللّه العزيز القويّ الغالب تقديمه ، مع اشتماله على ما فيه رحمة للعباد ، يناسبه أن يذكر أنّه تنزيل العزيز الرّحيم . وكون ما جاء في القرآن يشتمل على معارف وعلوم غيبيّة لا يعلمها إلّا اللّه تبارك وتعالى ، يناسبه أن يذكر أنّه تنزيل العزيز العليم . وكون ما جاء في القرآن يشتمل على بيانات حكيمة ، وتكاليف حكيمة ملائمة لأحوال العباد ، يناسبه أن يذكر أنّه تنزيل العزيز الحكيم . ونظرا إلى القرآن كلّه ما نزل منه سابقا ، وما سينزل منه حتّى آخر سورة ، قال اللّه تعالى : * كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 3 ) : أي : هذا البيان الّذي تلي قسم منه ، وسينزل على الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم سائره ، هو كِتابٌ تجب كتابته وجعل صفحاته كتابا مدوّنا محفوظا من التغيير والتّبديل والزّيادة والنّقص ، وهذا ما تحقّق بفعل الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم والخيرة من أصحابه قادة المؤمنين المسلمين . لفظ : كِتابٌ بدل من مبتدأ الجملة السّابقة أو من خبرها . * فُصِّلَتْ آياتُهُ : أي : بيّنات آياته بيانا وافيا بالمقصود بها . التّفصيل : التّبيين ، وكشف حدود الأجزاء المتلاصقة في الظّاهر ، بإظهار ما بينها من انفصال ، ولو لم يكن مرئيّا ، لتمييز بعضها عن بعض في الإدراك الفكريّ . إنّ تفصيل البيان يمنع اختلاط الأفكار وتداخل بعضها ببعض ،