عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
46
معارج التفكر ودقائق التدبر
واقتبس النّاس من داود عليه السّلام صناعة دروع الزّرد ، وانتشرت بعده . وأقول هنا : إنّ نصوصا قرآنيّة متعدّدة تدلّنا على أنّ أصول كثير من الصّناعات البشريّة ، قد كانت على أيدي بعض أنبياء اللّه ورسله ، بأمر من اللّه وتعليم ، واقتبسها النّاس عنهم فيما بعد ، ثمّ طوّر النّاس فيها وأضافوا ضمن سلّم الارتقاء الحضاريّ التراكميّ . قول اللّه تعالى بشأن سليمان بن داود عليهما السّلام : * وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ ( 12 ) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ( 13 ) : في هذا النصّ بيان أنّ اللّه عزّ وجلّ آتى سليمان من فضله ثلاث منن امتنّ بها عليه ، وخصّه بها دون سائر الأنبياء والمرسلين ، وهي : ( 1 ) تسخير الرّيح له . ( 2 ) إسالة عين النّحاس له . ( 3 ) إكراه بعض الجنّ للعمل بأمره ، فإن عصاه عاص منهم ذاق مقدارا ما من عذاب أليم على مقدار معصيته . فالمنّة الأولى : دلّ عليها في النصّ قول اللّه تعالى : وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ . . . ( 12 ) : وفي القراءة الأخرى : [ الرّياح ] . أي : وسخّرنا لسليمان الرّيح ، وقد سبق في سورة ( ص / 38 نزول ) بيان أنّها تجري بأمره رخاء حيث أصاب ، أي : تجري ليّنة حيث قصد وأراد ، فقال تعالى فيها : فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ ( 36 ) .