عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

407

معارج التفكر ودقائق التدبر

قول اللّه تعالى : * اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 64 ) : في هذه الآية متابعة لبيان بعض منن اللّه ونعمه على الناس ، ويخاطب اللّه النّاس بتنبيههم عليها ، وقد اشتملت على بيان أربع منها : المنّة الأولى : أنّه - جلّ جلاله وعظمت مننه - جعل للنّاس الأرض قرارا ، أي : مكانا صالحا للاستقرار عليه . القرار : مصدر « قرّ » بمعنى أقام ، وبمعنى سكن واطمأنّ . فلو كان جعلها ثائرة مضطربة كأمواج البحار الثائرة ، لما كانت صالحة للاستقرار عليها ، والسّكون والاطمئنان والإقامة الدّائمة . المنّة الثانية : أنّه - جلّ جلاله وعظمت مننه - جعل السّماء بناء ، أي : ذات أجزاء مترابطة متماسكة يمنع هذه الأجزاء من الخروج عن نظامها خروجا مفسدا لوحدة نظام الكون ، الّذي لو حدث لتساقط بعضها على بعض ، ولصارت الأرض هباء منثورا . ونحن نعلم أنّ بناء كلّ شيء يكون بحسبه ، فبناء الذّرة له نظام ، وبناء الخليّة له نظام ، وبناء الآلة كالطّائرة والسّفينة البحريّة له نظام ، وبناء القصور له نظام ، وبناء النّجوم والكواكب له نظام . فليس من الفكر السّليم أن نقيس بناء السّماوات على بناء المساكن والبيوت والقصور في الأرض ، إذ لكلّ ذي أجزاء متماسكة مترابطة بناء يلائمه . المنّة الثالثة : أنّه - جلّ جلاله وعظمت مننه - صوّر النّاس فأحسن