عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
388
معارج التفكر ودقائق التدبر
وأنتم في دار العذاب نعذّب ، وكلّ واحد منّا يعذّب بالعدل على مقدار ما قدّم في الدّنيا حياة الامتحان من كفر وجرائم وآثام ، باختياره الحرّ . إنّ اللّه قد حكم بين العباد جميعا بالفضل والعدل ، فلم يحكم عليكم بأكثر ممّا تستحقّون من عذاب ، وما كنتم فيه مكرهين لم يحاسبكم اللّه عليه ، فلا نحمل عنكم شيئا من عذابكم الّذي تستحقّونه ، ولا نستطيع ذلك ، ولا نستطيع أن نكفّ أو نصرف عنكم شيئا من العذاب ؛ لأنّ اللّه قد حكم بين العباد جميعا ، والحكم له وحده لا شريك له . في عرض هذا التّخاصم المقترن بتقديم كلّ من الفريقين ما لديه من حجّة ، وبصورته العامّة الشّاملة لكلّ الأتباع والمتبوعين ، إشارة إلى أنّ جنود فرعون الّذين ليسوا من آله ، والّذين لم يتعرّض آخر الدّرس السّابق السّابع لبيان إدخالهم في دار العذاب النّار ، سوف يدخلونها مع آل فرعون بسبب كفرهم الإرادي ، وجرائمهم الّتي كانوا يرتكبونها بإرادتهم الحرّة ، ولا يستثنى منهم إلّا المسوقون بالإكراه ، وهم مؤمنون غير راضين عن أعمال فرعون وآله ، إن وجد من هؤلاء أحد في جيش فرعون ، الّذي أدركه الغرق الشّامل . قول اللّه تعالى يبيّن مشهدا آخر من مشاهد أصحاب النار وهم يعذّبون فيها : * وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ ( 49 ) قالُوا أَ وَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ ( 50 ) : أي : وقال الّذين يعذّبون في النّار بعذاب أبديّ لكفرهم ، موجّهين قولهم لخزنة جهنّم ، يستعطفونهم بتذلّل وخضوع : ادعوا ربّكم دعاء يخفّف به عنّا يوما من العذاب .