عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
383
معارج التفكر ودقائق التدبر
الملازمون لها لا يفارقونها ، ولا يفارقهم ولا يخفّف عنهم عذابها . دلّ تعريف طرفي الإسناد في هذه الجملة ، على قصر ملازمة النّار يوم القيامة على المسرفين في معاصيهم من دركة الكفر ، والشّرك منه ؛ لأنّ اللّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء . وبعد أن أنهى مؤمن آل فرعون بيان الكلّيات الكبرى من دعوته لهم ، وحذّرهم وأنذرهم ، قال لهم ما جاء بيانه في الآية التّالية : * فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 44 ) : يظهر أنّ مؤمن آل فرعون ، كان عنده خبر من موسى عليه السّلام ، بأنّ اللّه مهلك فرعون وكفّار آله وجنودهم ، فقال لهم مستعملا الحرف الدّالّ على المستقبل في الحياة الدّنيا ، وهو حرف « السين » : فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ : أي : فستذكرون في الدّنيا قبل الآخرة ، ما أقول لكم بتكرار ناصحا وهاديا ، وذلك حينما ينزل بكم عذاب من اللّه يستأصلكم به مهلكا لكم . وشعر بأنّ كبراء آله قد غضبوا منه أشدّ الغضب ، لإيمانه بموسى وهارون وما جاءا به عن اللّه ، وأنّه إذا لم يعصمه اللّه منهم عذّبوه وقتلوه ، فقال : . . وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ . . : التّفويض : جعل التّصرّف كلّه تحت إرادة من حصل التّفويض إليه . يقال لغة : « فوّض فلان أمره إلى فلان » أي : جعل له التّصرّف فيه . فتفويض الأمر إلى اللّه نظير التّوكّل على اللّه ، ويدخل في معنى هذا التّفويض سؤال اللّه الحماية والحفظ من مكر الأعداء وكيدهم ، وما يدبّرون من شرّ أو ضرّ أو أذى .