عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
369
معارج التفكر ودقائق التدبر
حينئذ قلتم : لن يبعث اللّه من بعد « يوسف » رسولا يمكّنه من أن يكون ذا سلطان في القصر الفرعوني ، يكفّ أيدينا عن أن نفعل في مصر ما نريد باعتبارنا الأسرة المالكة الحاكمة ذات التّصرّف المطلق . * . . . كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ ( 34 ) : أي : وقد انطلقتم باغين ظالمين طاغين ضالّين في متاهات الآثام والجرائم ، بعد يوسف ، ومكّنكم اللّه من هذا الضّلال في رحلة امتحانكم في الحياة الدّنيا ، ليدينكم بجرائمكم يوم الدّين ، ويعذّبكم خالدين في دار العذاب بسبب كفركم ، وهذه سنّة اللّه في عباده ، فمن اختار لنفسه سبل الضّلال مكّنه اللّه من سلوكها ، وأمدّه بمختلف القوى ليحقّق ما اختار لنفسه في رحلة امتحانه ، ما لم يتعارض اختياره مع ما قدّره اللّه وقضاه في كونه . استعمل فعل : « يضلّ » بمعنى : يمكّن من الضّلال من أراده لنفسه ، ومعلوم أنّ المسرف في بغيه وآثامه ، المرتاب في الحقّ الجليّ الواضح لا بدّ أن يختار لنفسه سبل الضّلال . المسرف في ذنوبه : هو الغالي في معاصيه وبغيه وجرائمه وآثامه . المرتاب : هو الّذي يختار لنفسه مذهب الشّكّ في كلّ حقيقة تتضمّن تحذيره من أن يتّبع ما يهوى ويشتهي من دنياه ، ومنعه من تحقيق مراداته الظّالمة الآثمة . قول اللّه عزّ وجلّ بيانا منه بشأن الّذين يجادلون في آياته بغير سلطان آتاهم ، وفي هذا البيان الاعتراضيّ ضمن عرض قصّة الرّجل المؤمن من آل فرعون في مجلس فرعون ، إشعار بصحّة ما عرضه هذا الرّجل المؤمن ، وإشعار بأنّه جزء من دين اللّه الّذي أوحى به لموسى وهارون عليهما السّلام :