عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
368
معارج التفكر ودقائق التدبر
تشتهون في أرض مصر ، وفي شعبها من مصريّين وغيرهم ، وقلتم لن يبعث اللّه من بعد يوسف رسولا يملك مقاليد الحكم في القصر الفرعوني ؛ لأنّنا لن نمكّن رسولا من الوصول إلى كرسيّ الحكم ، حتّى لا يمنعنا من تحقيق مراداتنا من أهوائنا وشهواتنا بسلطان الدّولة . وانطلقت أسرتكم الحاكمة ضالّين يظلمون ويفسدون ويضطّهدون ويذلّون العباد ، ويستأثرون بخيرات البلاد ، وقد ورثتم عنهم كلّ ذلك ، فضللتم ، ومكّنكم اللّه من سلوك سبل الضّلال في سلطانكم ، إذ كنتم مسرفين غلاة في تجاوز الحقوق ، مرتابين في الإنذارات الّتي أنذركم بها رسول ربّكم ، شاكين في صدقها ، بسبب غشاوات الأهواء والشهوات الّتي غشّت على بصائركم ، وهذه سنّة اللّه في عباده ، فمن أسرف مغاليا في تجاوز الحقوق ، وصار مرتابا شاكّا بالحقّ الجليّ المؤيّد بالبراهين ، أمدّه اللّه عزّ وجلّ في ضلاله ، ليأخذه بجرائمه أخذ عزيز مقتدر . * فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ : خاطب مؤمن آل فرعون المعاصرين له من أسرته ، مع أنّ الّذين كانوا في شكّ ممّا جاء به النّبيّ الرّسول يوسف عليه السّلام هم أجدادهم المعاصرون ليوسف ؛ لأنّ هؤلاء الأحفاد مستمسكون بدين أجدادهم ومفاهيمهم ، فهم مثلهم ، وينطبق عليهم ما ينطبق على أجدادهم الّذين كانوا معاصرين ليوسف عليه السّلام . وقد ذكر اللّه عزّ وجلّ « يوسف » عليه السّلام ضمن من ذكر من المرسلين . * . . . حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا . . . . أي : فما زلتم في شكّ من نبوّته ورسالته ، ضيّقة بتصرّفاته الإداريّة المخالفة لأهوائكم صدوركم ؛ حتّى حين موته الّذي انشرحت به صدوركم ، لأنّكم عدتم إلى ما كنتم عليه قبل تولّيه السّلطة ، ظالمين باغين .