عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

367

معارج التفكر ودقائق التدبر

وبعد هذين التّحذيرين ذكّرهم بيوسف عليه السّلام ، فقال لهم ما جاء بيانه في قول اللّه تعالى : * وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ ( 34 ) : أكّد مؤمن آل فرعون بيانه بعبارة : وَلَقَدْ مقسما ومحقّقا . أي : ولقد جاءكم بالبيّنات يوسف بن يعقوب من قبل موسى وهارون ، وهو الّذي كان الرّجل الثّاني في القصر بعد فرعون ملك مصر في زمانه ، وهو من آباء أسرتكم الحاكمة في مصر . والمراد بالبيّنات الّتي جاء بها القضايا الواضحات الجليّات من قضايا الدّين عقيدة وشريعة وأحكاما ، مقرونة بالبيّنات الواضحات من الحجج والبراهين ، وببعض الآيات الخوارق الدّالّات على صدق نبوّته ورسالته ، وكان يبلّغها ويدعو إليها من موقعه الإداريّ الرّفيع في حكم مصر ، فما زالت أسرتكم أجدادكم وآباؤكم في شك من صحّة ما جاء به ، وكان ينفّذ ما يملك تنفيذه من أحكام وهو في سلطانه ، وكان أفراد أسرتكم يضيقون بتنفيذ ما ينفّذه من أحكام تمنعهم من التجاوزات الّتي كانوا يتجاوزون بها حدود الحقوق ، قبل تولّيه السّلطة بأمر الملك . وكانت أسرتكم تعلم أنّه رسول من ربّ العالمين ، ولكنّ معظم أفرادها لم يكونوا يريدون أن يؤمنوا بدينه ، ويعملوا بأحكام شريعته ، لتبقى لهم امتيازاتهم الظّالمة الّتي ينالونها بقوّة السّلطان في مصر . حتّى حين مات وخلا لهم الحكم ، انطلقوا في مصر ظالمين آثمين ، لا يعترض تصرّفاتهم سلطان رسول حاكم ، بيده مقاليد أمور الدّولة ، وقد ورثتم أنتم عن آبائكم هذا السّلطان الّذي أطلق أيديكم للحصول على ما