عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

344

معارج التفكر ودقائق التدبر

الآزفة : أي : القريبة ، والمراد بها « القيامة » من الأجداث يوم البعث ، وصفها اللّه بأنّها قريبة لأنّ الموتى يلغى الحسّ بالزّمن من إدراك نفوسهم ، وحين البعث يتصوّرون أنّهم كانوا نائمين نومة الضّحى أو نومة العشيّ ، فالمدّة الّتي قضوها بين الموت والبعث لا تزيد في إحساسهم على ساعات الضّحى ، أو ساعات العشيّ ، ولو كانوا قد ذاقوا في هذه المدّة عذابا شديدا في زمن طويل ، فالنّائم قد يرى في نومه أحداثا كثيرة ، وقد يعاني في هذه الأحداث آلاما شديدة ، وقد يشعر في نومه أنّ سنين عديدة قد مرّت عليه ، لكنّه حين يصحو من نومه لا يقدّر زمن نومه بأكثر من عدّة ساعات . فالقيامة قريبة في إحساس الموتى من اللّحظة الّتي فارقوا فيها الحياة ، فهي إذن « آزفة » . يقال لغة : « أزف الوقت ، يأزف ، أزفا ، وأزوفا » أي : دنا وقرب . * إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ : إنّ الظّالمين حين يبعثون ، ويقومون من الأجداث ، ويدركون أنّ هذا اليوم هو اليوم الّذي كانوا به ينذرون ، بآيات كتاب اللّه ، أو على ألسنة رسل اللّه ، أو بلاغات الدّعاة إلى اللّه من أتباع الرّسل ، يشتدّ خوفهم ، وذعرهم من المصير الّذي هم إليه صائرون ، فتنشمر قلوبهم مشدودة إلى الأعلى ، حتّى يحسّوا أنّها وصلت إلى حناجرهم ، فكانت بمثابة الغصّة المؤلمة . الحناجر : جمع « الحنجرة » وهي الحلقوم ، ومجرى النّفس في الرّقبة . أي : حين يحسّون أنّ قلوبهم قد انشمرت عن مواضعها تحت قفص الصّدر ، وارتفعت حتّى وصلت إلى الحناجر ، من شدّة خوفهم من هول الموقف ، ومن المصير الذي هم صائرون إليه بعد الحساب ، وفصل القضاء ، والأمر بتنفيذ الجزاء .