عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
336
معارج التفكر ودقائق التدبر
* . . وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ ( 13 ) : أصل التّذكّر استحضار المعلومة في الذّاكرة ، بمعنى استحضارها في جهاز التّصوّر الحاضر في الدّماغ ، والمراد بالتّذكّر في الاستعمالات القرآنيّة الأثر النّفسيّ والقلبيّ لحضور المعلومة الدّينيّة في الذّاكرة ، إذ هو الدّافع لتوجيه الإرادة للسّلوك المطلوب في الدّين فعلا أو تركا . وقد جاء في القرآن بيان أنّ هذا التّذكّر منحصر في أولي الألباب ، وفي من ينيب . أمّا أولوا الألباب : فهم أصحاب العقول الحصيفة النّظيفة الخالصة من الشّوائب ، الواعية الدّرّاكة الّتي تعقل المعارف فتمسك بها ، وتعقل نفوسهم عن اتّباع الهوى . وأمّا الّذين ينيبون : فهم الّذين يرجعون آنا فآنا إلى ربّهم ، وإلى طاعته ، وإلى الاعتراف بالحقّ واتّباع سبيل الهدى ، كلّما انحرفت نفوسهم عن سواء صراط الحقّ والخير والنّجاة والفلاح والسّعادة . وهؤلاء هم أولو الألباب ، فمن لديهم ألباب على الوصف الّذي سبق بيانه ، توجّههم ألبابهم لأن يكونوا منيبين إلى ربّهم وإلى طاعته آنا فآنا . والرّجوع إلى اللّه هو رجوع إلى الفطرة الّتي فطر اللّه عزّ وجلّ الناس عليها . ولمّا كان كلّ بني آدم خطائين ، بدوافع أهوائهم وشهواتهم ، كان فضلاء المؤمنين المتّقين والأبرار والمحسنين منيبين إلى ربّهم آنا فآنا ، بالرّجوع إلى سواء صراطه المستقيم . يقال لغة : « أناب فلان إلى الشّيء ينيب » أي : رجع إليه مرّة فمرّة