عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

337

معارج التفكر ودقائق التدبر

بتكرار ، فالمنيب : هو ذو الرّجوع إلى اللّه دواما بقلبه ونفسه وفكره . ومن هذا نفهم أنّ من صفات أولي الألباب أنّهم منيبون إلى ربّهم وإلى طاعته آنا فآنا ، ارتقاء في التّقرّب إليه بالصّالحات ، وعودا إلى خطّ الاستقامة كلّما انحرفوا عنه ولو قليلا . قول اللّه تعالى خطابا للّذين يستجيبون لدعوة الحقّ الرّبّانيّة : * فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ( 14 ) : أي : فاعبدوا اللّه وحده ، مخلصين له الدّين ، لا تشركون بعبادته شيئا ، ومن عبادة اللّه أن تسألوه أن يحقّق لكم مطالبكم لدنياكم وآخرتكم ، وصحّ عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ هذا رأس العبادة وأحد عناصرها الكبرى ، ومن عبادته أن تدعوا إلى اللّه وإلى صراطه المستقيم . الدّعاء في اللّغة : النّداء ورفع الصّوت ، ويأتي بمعنى السّؤال والطّلب ، واستعمل الدّعاء في القرآن للدّلالة على مطلق العبادة ، ومن العبادة الدّعوة إلى دين اللّه ، وتبليغ ما أمر اللّه بتبليغه . وقد جاء في الآيتين ( 18 ) و ( 19 ) من سورة ( الجنّ / 40 نزول ) استعمال الدّعاء بمعنى العبادة ، ويدخل في عبادة اللّه تبليغ دينه ، وتبليغ آيات كتابه المجيد ، وشرح معانيها ، والإقناع بما تدلّ عليه من حقّ وخير وهدى وفضائل ، وهذا التّبليغ من أفضل العبادات وأجلّها ، وهو وظيفة المرسلين الكبرى . ومن استعمال القرآن الدّعاء بمعنى العبادة : أَ تَدْعُونَ بَعْلًا و الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ * و قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي : تعبدون . وتدلّ عبارة : . . وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ( 14 ) في الآية هنا على أنّ المطلوب الأوّل من عبادة اللّه الّتي دلّ عليها : فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ . . هو الدّعوة إلى دين اللّه ، وتبليغ آيات كتابه ، وبيان الحقّ الرّبّانيّ الّذي جاء فيها .