عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

264

معارج التفكر ودقائق التدبر

وممّا خلق - جلّ جلاله - الإرادات الحرّة الّتي أوجدها في نفوس النّاس ليبلوها بالإيمان والكفر ، والطاعة والمعصية ، والخير والشّر ، وهو الذي يخلق مراداتها ، ويحاسبها على اختياراتها . القضيّة الثانية : دلّ عليها قول اللّه تعالى : وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ : الوكيل : هو من يسلّم إليه أمر ما ، ويكتفى به في اختياره وعمله وسائر تصرّفاته فيما هو موكّل عليه . والمراد بكون اللّه وكيلا على كلّ شيء ، أنّه هو القائم دواما بحفظ كلّ شيء خلقه ، وبالتّصرّف فيه الشّامل لكلّ جزء من أجزائه مهما كان صغيرا ، إيجادا وإمدادا ، وتغييرا ، والشّامل لابتلائه فيما منحه فيه الاختيار الحرّ ، ولتربيته ومحاسبته ومجازاته ، فما من أصغر جزء من أجزاء كلّ ذرّة في الكون كلّه إلّا هو خاضع لصفات ربوبيّة اللّه في كونه ، تبارك وتعالى . فمعنى كون اللّه وكيلا على كلّ شيء ، صار في الاصطلاح الدّينيّ يشمل كلّ المفهومات الّتي سبق بيانها ، ولا يقتصر على مفهوم الناس من معنى الوكيل من البشر على شيء ما . القضيّة الثالثة : دلّ عليها قول اللّه تعالى : لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ : * مَقالِيدُ : جمع « مقلاد » وهو في اللّغة يطلق على « الخزانة » ويطلق على « المفتاح » فالمقاليد هي الخزائن ، والمفاتيح . فدلّت هذه القضيّة على أنّ للّه وحده كلّ ما في السّماوات والأرض من خزائن ، منها خزائن الأرزاق ، وخزائن المعادن ، وخزائن القوى ، وأنّ للّه وحده كلّ مفاتيح كلّ الخزائن ، وكلّ مفاتيح التّصرّف في كلّ شيء ، إذ نظام اللّه السّببيّ في كونه قد جعل لكلّ سبب مفتاحا به يتحرّك السّبب ، فتوجد المسبّبات بتقدير اللّه وقضائه وخلقه .