عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

258

معارج التفكر ودقائق التدبر

هذا الفهم يتلاءم معه قول اللّه تعالى في تتمّة الآية : * مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ( 55 ) . هذه التّتمة تفيد أنّهم لم يؤمنوا ولم يسلموا بعد ، والدّاعي إلى اللّه يهوّن عليهم الالتزام بأحكام الدّين ، فيطالبهم بأن يتّبعوا أحسن ما أنزل إليهم . بغتة : أي : مفاجأة دون إشعار سابق . تلطّف وحكمة عالية في الدّعوة إلى اللّه ، جاء عقبه ترهيب باحتمال أن يأتيهم عذاب مباغت مهلك من ربّهم ، فقد طال أمد عنادهم وإصرارهم على شركهم الباطل ، فقد سبق أن أنزل اللّه إليهم ( 58 ) سورة قبل ( سورة الزّمر ) وفيها أفانين علاجيّة لهم ، دون أن يتزحزحوا عن موقفهم العناديّ الشّركي الّذي لا حجّة لهم فيه . قول اللّه تعالى متابعا التعليم الدّعويّ : * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ( 56 ) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 57 ) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 58 ) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 59 ) : أي : أنزلنا البيان الدّعويّ السّابق ، وأنزلنا الكتاب ، وبعثنا الرّسول مبلّغا ، وكلّفنا الدّعاة أن يبلّغوا رسالة الرّسول للأسباب التالية : السّبب الأوّل : أن تقول يوم القيامة نفس كفرت وكذّبت بما بلّغها رسول ربّها ، معترفة بجريمتها ، متحسّرة على ما فاتها ، نادمة على ما كان منها في رحلة امتحانها : * . . . يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ( 56 ) :