عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
242
معارج التفكر ودقائق التدبر
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 18 ) . وقد سبق تدبّر هذه الآية عند موضعها من سورة ( يونس / 51 نزول ) وجاءت الحجّة فيها حجّة ابتدائيّة كافية لمن لديهم تفكير منطقيّ سليم . إنّ ادّعاءهم أنّ آلهتهم شفعاءهم عند اللّه ، لا يصحّ ما لم يكن لديهم خبر عن اللّه جلّ جلاله ، بأنّه منحهم أن يشفعوا لمن يعبدهم ، لكنّ اللّه لم ينزل بيانا على رسول صادق ، ولا في كتاب من كتبه أنّه منح آلهة المشركين ميزة الشّفاعة لعبّادهم عنده ، فقولهم : هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ افتراء منهم على اللّه ، وادعاء كاذب باطل . إلّا أنّ المشركين قد أعجبتهم هذه الذّريعة الجدليّة ، فصاروا يكرّرونها ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الزّمر / 59 نزول ) تعليما جدليّا فيه شدّة وقسوة واستهانة بعقول المشركين ، وألحق هذا التّعليم الجدليّ بتعليم إقناعيّ فيه بيان أنّ الإذن بالشّفاعة حقّ اللّه ، وهو الّذي يقبلها أو يرفضها ، فهي في الحقيقة ملكه ، وليس لأحد على اللّه حقّ ما لم يجعل اللّه له ذلك بوعده الكريم ، وله تبارك وتعالى ملك السّماوات والأرض ، وقد وضع النّاس في الحياة الدّنيا موضع الامتحان ، ليبلوهم فيما آتاهم ، ثمّ إليه يرجعون بعد البعث للحساب ، وفصل القضاء ، وتنفيذ الجزاء . فجاء في التعليم الجدليّ قول اللّه تعالى : * قُلْ أَ وَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ ( 43 ) : أي : قل للّذين اتّخذوا آلهة يعبدونهم من دون اللّه زاعمين أنّهم شفعاؤهم عنده : أتعبدونهم من دون اللّه وتزعمون أنّهم يشفعون لكم عند اللّه ، ولو كانوا لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم شيئا عند اللّه ، ولو