عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

239

معارج التفكر ودقائق التدبر

وقد جعل اللّه عزّ وجلّ في بيانه القرآنيّ فعل « توفّى - يتوفّى » ومشتقّاته للدّلالة على معنى كلّيّ ذي نوعين : النّوع الأوّل : الفصل الكلّيّ بين الرّوح والنّفس ، وبه يكون الموت . النوع الثاني : الفصل الجزئي بين الرّوح والنّفس ، وقد يكون ما أجراه اللّه عزّ وجلّ لعيسى عليه السّلام ، من هذا النّوع . وقد يستمرّ هذا الفصل الجزئيّ مئات السّنين ، كما حصل لأهل الكهف ، واللّه يفعل ما يشاء خلقا وتصاريف . وتحليل الآية بعد هذا البيان السّابق يكون على الوجه التالي : اللّه يتوفّى الأنفس فيمنحها غاية الأجل المقدّر لها في الحياة الدّنيا وافيا غير منقوص ، ويتحقّق هذا التّوفّي حين موتها . أمّا الأنفس الّتي لم ينته أجل بقائها في الحياة ، فاللّه يتوفّاها توفّيّا جزئيّا بفصل جزئيّ بينها وبين الرّوح ، في حالة النّوم الّذي تسلب به الحركة الإراديّة لذي الحياة . وغفوات النّوم قد ينتهي فيها الأجل المقدّر لحياة الأنفس ، فيمسك اللّه عنها الإمداد بالحياة إمساكا كاملا ، إذ قضى عليها الموت بانتهاء أجلها المقدّر لها في الحياة الدّنيا ، فيتحقّق الفصل الكلّيّ بين الرّوح والنفس . والّتي لم ينته أجلها المقدّر لها في الحياة الدّنيا ، فيرفع عنها الفصل الجزئيّ ويرسلها من قيد النّوم فتصحو وتمارس حركاتها الإراديّة ، وتستمرّ هكذا في كلّ حالات النّوم ، إلى زمن انتهاء أجل بقائها في الحياة الدّنيا ، وهذا الأجل معيّن محدّد مسمّى بتقدير اللّه وقضائه للنفوس ، فإذا بلغته توفّاها اللّه توفّيا كلّيّا ، فأماتها بالفصل الكلّيّ بينها وبين أرواحها الّتي تكون بها ذات حياة .