عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
228
معارج التفكر ودقائق التدبر
. . وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ . . ( 36 ) : أي : ويخوّفك المشركون بآلهتهم الّذين يعبدونهم من دون اللّه ، أن تنزل بك مكروها أو انتقاما ، لأنّك تذكر أنّها باطلة ، وبأنّها لا تستحقّ أن تعبد من دون اللّه ، ولأنّك تسفّه أحلام عابديها ، وتنذرهم بعذاب في جهنّم يوم الدّين ، خالدين فيها أبدا . ورد في أقوال بعض المفسرين : أنّ قريشا قالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّا نخاف أن تخبلك آلهتنا ، وإنّا نخشى عليك معرّتها لعيبك إيّاها » . « أن تخبلك آلهتنا » : أي : أن تفسد عقلك ، وتذهب فؤادك . « معرّتها » : أي : أذاها ، ومكروها يأتيك من قبلها . وقد سبق في سورة ( الأنعام / 55 نزول ) بيان أنّ قوم إبراهيم عليه السّلام خوّفوه بانتقام آلهتهم منه ، فقال لهم ما دلّ عليه قول اللّه تعالى فيها : * وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ( 80 ) وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 81 ) . فدلّ هذا على أنّ أفكار المشركين وطرائقهم متشابهة ، ولو عقل مشركو مكّة لاكتفوا بما سبق بيانه عن إبراهيم عليه السّلام ، ولم يخوّفوا رسولهم محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم بآلهتهم ، فجوابهم على هذا التّخويف هو الجواب نفسه ، الّذي سبق أن أجاب به إبراهيم عليه السّلام مشركي قومه ، ولكنّهم عناديّون ، وبباطلهم مستمسكون . قول اللّه تعالى تعقيبا على هذا الموقف من مواقف المشركين الّذي كانوا عليه إبّان التّنزيل :