عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
127
معارج التفكر ودقائق التدبر
وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ( 52 ) : أكثر ما ورد لفظ التّناوش في محاولة الإبل الشّرب من الحوض الّذي يبعد ماؤه عن مدّ أعناقها ، حتى تصل إلى الماء أوائل مشافرها ، فتمتصّ الماء شيئا فشيئا بكلفة ومجاهدة . فقد تكون هذه العبارة قد استعملت على سبيل الاستعارة ، بتمثيل حركة الكافرين يوم الدّين ، للوصول إلى مطلوبهم ، وهو الخلاص من العذاب الّذي قضى به اللّه عليهم ، بنوق تمدّ أعناقها للوصول إلى ماء حوض بعيد عنها بعدا شاسعا ، وهي شديدة الظمأ . ولا يخفى ما في هذه الاستعارة من تصوير رائع لحالة نفوسهم المشرئبّة لتحقيق مطلوب قضى اللّه بأن يحرمهم منه . رابعا : من الفنون البلاغيّة الاستقطاع ، وهو استقطاع النصوص من أزمانها الماضية ، أو المستقبلة ، وعرضها بألفاظها ، دون الإشارة إلى أنّه كان كذا فيما مضى ، أو سيكون كذا فيما سيأتي . ومن أمثلة هذا الاستقطاع في السورة ما يلي . المثال الأول : قول اللّه عزّ وجل بشأن داود عليه السّلام : * وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ( 10 ) . عبارة : يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ من الاستقطاع من الماضي . المثال الثاني : قول اللّه تعالى بشأن عمل الجنّ لسليمان : * يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ( 13 ) .