عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
123
معارج التفكر ودقائق التدبر
فقد تكون العبارة على سبيل الاستعارة ، بتمثيل حركة الكافرين يوم الدّين للوصول إلى مطلوبهم ، وهو الخلاص من العذاب الّذي قضى اللّه به عليهم ، بنوق تمدّ أعناقها للوصول إلى ماء حوض بعيد جدّا عنها ، وهي شديدة الظّمأ ، فلا تستطيع أن تتناوش ( أي : تتناول ) من الماء شيئا . فالمعنى : هيهات أن يكون لهم تناول شيء من مطلوبهم ، وهم يمدّون أعناقهم من مكان بعيد جدّا ، فقد قضى اللّه لكلّ منهم أن ينال عذابه خالدا مخلّدا في نار جهنّم ، جزاء سابق كفره وجرائمه ، في حياة ابتلائه . كيف يكون للكافرين يوم الدّين تحقيق شيء من النّجاة الّتي يريدون تناوشها : وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وهو الّذي أعلنوا إيمانهم به يوم القيامة ، بعد أن فات الأوان ، وتحقّق الخسران ، وكانوا في الحياة وَيَقْذِفُونَ رجما بِالْغَيْبِ ، فيدّعون دعاوى كاذبات لا دليل عليها . ويثبتون آلهة باطلة ، وينسبون إليها صفات وأفعالا غيبيّة ، وهي لا تملك لأنفسها ولا لغيرها نفعا ولا ضرّا ، وربّما تكون أسماء وهميّة هم اصطنعوها ليس لها وجود إلّا في أوهامهم ، ورجمهم أقوالا وأكاذيب تتعلّق بالغيب عنهم ، هو رجم من مكان بعيد جدّا عن الغيب الّذي يتحدّثون عن أمور هي فيه ، وليس باستطاعتهم أن يصلوا إلى أيّ موقع منه . قول اللّه عزّ وجلّ ختاما لهذا الدّرس وختاما للسّورة بشأن المعالجين فيها : * وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ ( 54 ) : * وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ . . : أي : وأقيم حائل حاجز بينهم وبين ما يشتهون يمنعهم منعا كاملا من الوصول إليه .