عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
108
معارج التفكر ودقائق التدبر
أي : وإذا تلى الرّسول عليهم طائفة من آيات كتابنا القرآن المنزّل عليه ، حالة كونها بيّنات واضحات يفهمون دلالاتها ، خافوا أن تتأثّر بها جماهيرهم الّذين يخضعون لزعاماتهم ، ويأتمرون بأوامرهم ، فقالوا : ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ . * أَنْ يَصُدَّكُمْ : أي : أن يصرفكم ويحوّلكم . هذه المقولة ذات هدفين : الهدف الأوّل : إثارة قائليها عصبيّة جماهير قومهم لآبائهم ، إذ كانت عصبيّات الأبناء للآباء من أقوى دوافع الأقوام ، الّتي تجعلهم يحرصون على مواريثهم من العادات ، والمعتقدات ، والرّوابط القوميّة ، ولو لم تكن لها قيم حقيقيّة تجعل المحافظة عليها أمرا حسنا . وهذه نخوة جاهليّة محمودة لديهم ، ولو كانت مذمومة لدى أهل العقل والرّشد والارتقاء الحضاريّ . الهدف الثاني : إشعار جماهيرهم بأنّ محمّدا طالب زعامة عليهم ، فإذا صدّهم عمّا كان يعبد آباؤهم ، كان هو الّذي يملي عليهم عباداتهم ، وهو الّذي يكون قائدهم وزعيمهم في حياتهم ، فهو غير صادق في ادّعاءاته . المقولة الكاذبة الثانية : دلّ عليها قول اللّه تعالى : . . وَقالُوا ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً . . : الإفك : الحديث والكلام الكذب ، يقال لغة : « أفك ، يأفك ، أفكا ، وإفكا ، وأفوكا » ويقال أيضا : « أفك ، يأفك ، إفكا » أي : تكلّم بكلام كذب ، أو حدّث بحديث كذب . مفترى : أي : مختلق ومصطنع عن عمد .