عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

93

معارج التفكر ودقائق التدبر

الحرّيّة فيما تريد وتختار ، إنّي أنا النّذير المبين ، أي : وصلت رسالتي معكم إلى غاية فقراتها وهي إنذاركم بعذاب اللّه الخالد في جهنّم يوم الدّين ، مع ما قد ينزل بكم من عذاب معجّل في الحياة الدّنيا قد يأتي معه أو عقبه إهلاككم ، إذا اقتضت حكمته ذلك . الإنذار : الإخبار بمكروه قادم . المبين : أي : الموضح لكم ما أنذركم به بجلاء ، لا عن طريق الرّموز والإشارات والإلمحات الخفيّات . وقد جاءت العبارة بهذه الوصيّة تحمل إعلانا مؤكّدا بشدّة بالمؤكّدات : « إن - الجملة الاسميّة - ضمير الفصل - تعريف طرفي الاسناد » . * قول اللّه تعالى تعقيبا على الوصيّة الخامسة : * كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ( 90 ) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ( 91 ) فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 92 ) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 93 ) : في هذه الآيات بيان لسنّة اللّه في إنذار الكافرين السّابقين واللّاحقين ، ومنهم الّذين آمنوا أو يؤمنون ببعض كتاب اللّه المنزّل لهم ويكفرون ببعض ، فيجزّئون كتاب اللّه ، فيثبتون منه ما يوافق أهواءهم ، ويحذفون أو يخفون منه ما لا يوافق أهواءهم ، كما فعل أهل الكتاب اليهود والنصارى ، فيما أنزل اللّه إليهم من كتاب ، وقد سبق أن أنذر اللّه عزّ وجلّ هؤلاء المجزّئين الكافرين بعذاب خالد في جهنّم يوم الدّين ، وقد سبق بيان أنّ عتاة مشركي مكّة وأئمّة الكفر فيهم ، قد طالبوا الرّسول محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يأتي بقرآن غير هذا القرآن ، أو يبدّل ما لا يوافق أهواءهم وعقائدهم وتقاليدهم منه ، وهذه تجزئة مماثلة لما فعل أهل الكتاب فيما أنزل اللّه إليهم في التوراة والإنجيل ، فالإنذار الّذي سبق أن وجّهه اللّه