عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

94

معارج التفكر ودقائق التدبر

لأولئك المجزّئين ، يوجّه اللّه على لسان رسوله إنذارا مماثلا لأئمة الكفر والشّرك في مكّة إبّان التّنزيل ، ولكلّ أمثالهم وأشباههم حتّى آخر ممتحن مكلّف في الحياة الدّنيا . وفي بيان مطلب أئمّة الكفر والشّرك في مكّة من الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، أن يبدّل من القرآن ما لا يوافق أهواءهم ، قال اللّه عزّ وجلّ في سورة ( يونس / 51 نزول ) : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 15 ) : وقد سبق تدبّر هذه الآية لدى تدبّر سورة ( يونس / 51 نزول ) . ويظهر أنّ أئمّة مشركي مكّة ما زالوا إبّان نزول سورة ( الحجر / 54 نزول ) يطالبون الرّسول بأن يبدّل ما لا يوافق هواهم من القرآن ، ويأتي بما يوافق هواهم ، وهذا من التجزئة في كتاب اللّه ، وهو يشابه ما فعل اليهود والنّصارى في كتاب ربّهم ، فاستحقّ مشركو مكّة أن ينذروا بعذاب اللّه يوم الدّين كما أنذر المجزّئون من اليهود والنّصارى لكتاب ربّهم . وبعد هذا البيان يمكن أن نفهم بوضوح فقرات هذه الآيات التّعقيبيّة للوصيّة الخامسة . * كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ( 90 ) : المقتسمون : هم المتعمّدون المتكلّفون تقسيم الشّيء وتجزئته . والمراد بهم أهل الكتاب من اليهود والنّصارى ، الّذين آمنوا ببعض كتاب ربّهم وكفروا ببعض على وفق أهوائهم ، فحذفوا منه ما لا يوافق أهواءهم أو أخفوه ، ونشروا ما وافق أهواءهم . * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ( 91 ) : أي : جعلوا كتاب ربّهم قطعا