عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
89
معارج التفكر ودقائق التدبر
أنّ كلّ حروف العطف قد تعطف في القرآن على محذوف مطويّ ، وكملء فراغات القصص القرآنيّة بعضها من بعض ، إذ تبدو في الظّاهر أنّها مكرّرات ، وهي في الحقيقة متكاملات فيما بينها ، يتداخل بعضها في بعض ، فيكمّل بعضها الظّاهر هنا البعض المطويّ في مثاني النّصّ أو النّصوص الأخرى ، وكالحذف من الأوائل لدلالة ما في الأواخر ، والحذف من الأواخر لدلالة ما في الأوائل من النصّ . وكلّ ذلك من الإعجاز الإيجازيّ في القرآن المجيد . وأفضل تعبير عن هذه الصّفة في القرآن المجيد أن يوصف بأنّه مثاني ، فهو كتاب متشابه في الحسن والكمال ، ومثاني تظهر في السّطوح المقروءة من مثانيه جمل وكلمات ، وتوجد مطويات داخل المثاني تستخرج بالتّأمّل الدّقيق ، وبالاستنباط العميق ، ضمن ضوابط الفكر ، وقواعد الاستعمال اللّغويّ وأماراته ، إمّا عن طريق الحقيقة ، أو عن طريق المجاز . وأفضل ما في القرآن من مثاني ما جاء في سورة ( الفاتحة ) إذ هي جامعة لكلّيّات كبرى ، هي بمثابة عنوانات عامّات للدّين الّذي اصطفاه اللّه عزّ وجلّ لعباده ، الّذين خلقهم ليبلوهم في ظروف الحياة الدّنيا ، ولتاريخهم تجاهه منذ أوّل نشأتهم إلى أن تقوم السّاعة ، وقد أبنت هذا لدى تدبّر سورة ( الفاتحة ) في المجلّد الأول من هذا الكتاب . وقد صحّ عن الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ « الفاتحة » هي السّبع المثاني وهي القرآن العظيم ، فلا عدول عن هذا الّذي صحّ عن الرّسول . روى البخاريّ ، وأحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، من حديث سعيد بن المعلّى ، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال له : « لأعلّمنّك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد » . قال : فأخذ بيدي ، فلمّا أراد أن يخرج من المسجد ، قلت : يا