عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
88
معارج التفكر ودقائق التدبر
وفي هذه الآية تمهيد آخر يتعلّق ببيان بعض ما امتنّ اللّه به على رسوله باصطفائه بالنبوّة وبالرسالة الخاتمة ، وبإنزال نفائس من القرآن المجيد عليه ، ممّا لم يؤته غيره من عباده حتى أولي العزم من الرّسل . المثاني : جمع « مثناة » . وهي الطيّة الواحدة الّتي تثنى ، من قولهم : « ثنى الشّيء يثنيه » أي : ردّ بعضه على بعض ، فالقماش الّذي يثنى بعضه على بعض بصفة متوالية تسمّى طيّاته « مثاني » . وقد وصف اللّه عزّ وجلّ القرآن كلّه بأنّه « مثاني » فقال تعالى في سورة ( الزّمر / 39 مصحف / 59 نزول ) : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ( 23 ) : أي : ومن يحكم اللّه عليه بالضّلال لأنّه ضلّ بإرادته الحرّة ، فما له من حاكم يحكم له بالهداية ، إن الحكم إلّا للّه . وقد ذكر أهل التأويل وجوها متعدّدة لتفسير كون القرآن مثاني ، وهي تعتمد على ما في لفظ « مثاني » من معنى التكرير ، كتكرير آيات سورة « الفاتحة » في ركعات الصّلوات . والّذي ظهر لي بعد النّظر الطّويل في تدبّر آيات القرآن المجيد ، أنّ المراد بوصف القرآن بأنّه مثاني أنّ له سطوحا ظاهرة ، وهي ما يدرك من الكلمات المقروءات في ظهر كلّ مثناة منه ، وأنّ فيه مطويات في باطن الثّنيات هي محذوفات لفظا ، ويمكن إدراكها ذهنا ، عن طريق اللّوازم الفكرية ، أو الدّلالات اللّفظيّة ، كحرف جرّ ، أو حرف عطف ، أو تعدية الفعل لغير ما يتعدّى به لغة ، إلى غير ذلك من أمور كثيرة تعتمد عليها المحاذيف ، كالعطف على محذوف بما يسمّى الفاء الفصيحة ، وقد رأيت