عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
25
معارج التفكر ودقائق التدبر
ولا يخفى ما في هذه الآية من إلماح يشعر بوعد فيه طمأنة للمسلمين بالنّصر على الكافرين ، وفيه إنذار للكافرين بأنّهم سيغلبون وسيودّ كثير منهم لو كانوا مسلمين ، حتّى يظفروا معهم بالنّصر ، ولا يكونوا هم المهزومين المغلوبين . * قول اللّه تعالى لرسوله في وصيّة تربويّة تتعلّق بهؤلاء الأئمة المعاندين : * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 3 ) : أي : وبما أنّ هؤلاء المكابرين المعاندين قد أصرّوا على باطلهم ، وصارت استجابتهم لدعوة الحقّ الرّبّانيّة بإراداتهم الحرّة ميؤوسا منها ، فنوصيك بأن تتركهم موجّها همّك وهمّتك لدعوة غيرهم من الّذين لم يصلوا إلى دركة اليأس من استجابتهم ، ولا تضع جهدك ووقتك بهؤلاء وهم غير مطموع في استجابتهم . فإذا تركتهم فإنّهم يأكلون كما تأكل الأنعام ، ويتمتّعون بمتاعات الحياة الدّنيا كما تتمتّع الأنعام والبهائم العجماوات ، وإنّهم يلهيهم في حياتهم عمّا يجب عليهم أن يعملوه لنجاتهم وفوزهم عند ربّهم ، الأمل الّذي لا يتحقّق لهم منه شيء ، إذ يجدون أنّهم قد خسروا رأس مالهم كلّه ، وخسروا نفوسهم ، وقذفوا أنفسهم باختياراتهم في دار العذاب يوم الدّين ، فسوف يعلمون بعد أن يجدوا أنفسهم في دار العذاب ، يذوقون الحريق ، أنّهم كانوا مجرمين ، وكانوا ظالمين لنفوسهم بما قدّموا لآخرتهم في دنياهم . * ذَرْهُمْ : أي : اتركهم ، أمات العرب ماضي هذا الفعل ومصدره ، ولم يبقوا منه إلّا المضارع والأمر منه . * وَيَتَمَتَّعُوا : أي : وينتفعوا بمتاعات الحياة الدّنيا . المتاع : كلّ شيء ينتفع به والفناء يأتي عليه في الدنيا .