عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
26
معارج التفكر ودقائق التدبر
* وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ : أي : ويشغلهم فيستهلك أوقاتهم وطاقاتهم الأمل الّذي ليس له واقع مطموع فيه ، بل هو أوهام وتصوّرات ذهنيّة ضائعات . قول اللّه تعالى : * وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ( 4 ) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ ( 5 ) : تدلّ هاتان الآيتان على أنّ المعنيّين بالبيان ، قد طالبوا الرّسول بأن يحقّق اللّه ما أنذرهم به ، من إهلاك مماثل لإهلاك كفّار القرون السّالفة ، وهم لا يقصدون في الحقيقة أن يهلكهم اللّه عزّ وجلّ ، ولكن يعلنون بهذا أنّ الرّسول محمّدا غير صادق في إنذاره لهم ، مغترّين بإمهال اللّه لهم . فأبان اللّه لهم أنّ مقاديره ذوات آجال ، وأنّ هذه الآجال محدّدة ، ومكتوبة مدوّنة ، ومعلومة دواما ، فما من أمّة تسبق أجلها المقدّر لها ، في أيّ شيء تمّ به قضاء ربّها ، وما من أمّة تملك تأخير أجلها المقدّر لها ، في أيّ شيء تمّ به قضاء ربّها . * إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ : أي : إلّا قدّر وقضي لإهلاكها أجل ، ولها في ذلك كتاب معلوم للّه . ومن ذلك تعجيل عقاب مستحقّي العقاب عن أجله المقدّر المقضي له ، أو تأخيره ، وتعجيل إهلاك مستحقّي الإهلاك أو تأخيره ، عن أجله المقدّر المقضيّ له . فالمعنى : وما أهلكنا من أهل قرية كافرين كانوا يستحقّون التّعذيب والإهلاك ، إلّا في أجلهم المقدّر المقضيّ لتعذيبهم وإهلاكهم ، وهذا الأجل مدوّن في كتاب ، ومعلوم للّه عزّ وجلّ ، فما من أمّة منها سبق تعذيبها وإهلاكها الأجل المقدّر لها ، وما من أمّة منها تأخّر تعذيبها