عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
59
معارج التفكر ودقائق التدبر
فعبارة مِنْ كُلِّ شَيْءٍ لا يراد بها العموم الشّامل لكلّ ما يطلق عليه أنّه شيء ، بل يراد به من كلّ شيء يؤتاه النّاس في ظروف الحياة الدّنيا ، ولا سيما الملوك ، من نعم هي من فضل اللّه عزّ وجلّ عليهم . إنّه عموم تقيّده قرائن الأحوال ، وهو محمول على المبالغة الداعية إلى مزيد شكر اللّه على نعمه . وقد يكون المراد : من كلّ شيء طلبناه ورغبنا فيه لأنفسنا ولملكنا وسلطاننا من أشياء الحياة الدّنيا ومتاعها . القضيّة الثالثة : دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ حكاية عنه : إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ . الفضل : الإحسان بالعطاء دون سبب سابق يقتضيه إلّا إرادة صاحب العطاء المتفضّل ، ودون ترقب مكافاة أو شكر . المبين : أي : الواضح الجليّ ، من فعل : « أبان يبين » بمعنى وضح وانجلى . وقد كان ما فضّل به سليمان وأبوه من قبله واضحا وجليّا ظاهرا للنّاس الذين شهدوه ، أو علموا به . فأعلن سليمان عليه السّلام بهذا البيان فضل اللّه عليه وعلى أبيه ، وأشعر ضمنا بأنّ من الواجب عليه تجاه ربّه أن يشكر هذا الفضل المبين ، ومن شكره لربّه أن يقيم العدل ، ويجاهد في سبيل اللّه حقّ جهاده ، ويكثر من عبادته له بما يرضيه . ولهذا قال في الآية ( 19 ) التالية : . . . رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ ( 19 ) .