عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

91

معارج التفكر ودقائق التدبر

وقد اتّفق جمهور أهل العلم أنّ النبوّة لا تكون للنّساء ، فلم تكن أمّ موسى نبيّة يوحى إليها كما يوحى إلى الأنبياء . أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ : [ أَنِ ] تفسيرية جاءت بعد ما فيه معنى القول دون حروفه ، فالعبارة جاءت تفسيرا للفعل في : [ أَوْحَيْنا ] . وأصل معنى القذف رمي الشيء بقوة ، وليس هذا هو المراد بالعبارة هنا . ولكن جاء استعمال فعل [ اقْذِفِيهِ ] للدّلالة على أنّها حينما تضعه في التابوت ، فإنّها تقتلعه بعنف من قلبها المتعلّق بولدها ، والمطلوب منها أن تضعه بسرعة في التّابوت ، ودون تردّد ، لأنّ العمليّة تحتاج سرعة وجرأة بلا تردّد ، إخفاء للأمر عن عيون السّلطة الفرعونيّة وسائر المصريّين ، وكثير من الإسرائيليين ، كيلا يشيع وجود صبيّ وليد سنته في بيت من بيوت بني إسرائيل . فِي التَّابُوتِ : أي : في الصّندوق الّذي تعدّينه إعدادا حسنا ، ليطفو على الماء دون أن يتعرّض للغرق ، حين تلقينه في النيل . فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ : أي : وبفوريّة وسرعة تشبه سرعة قذف الحجر ، ضعيه في اليمّ ، حتّى لا يشعر أحد بما فعلت . هذان أمران تكليفيّان جاءا إلى أمّ موسى ، تضمّنهما ما أوحي إليها به ، على ما سبق به البيان بشأن المراد بالوحي إليها . « اليمّ » : البحر ، وهو الماء الواسع الكثير ، وأطلق لفظ « اليمّ » على نهر النيل لأنّه عظيم ، وماؤه واسع وكثير . فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ : هذا أمر تكوينيّ صادر عن الرّبّ الخالق ، فلا بدّ من تحقّقه في وقته