عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
75
معارج التفكر ودقائق التدبر
أدرك موسى عليه السّلام عظم المسؤوليّة ، وثقل الرّسالة الكبيرة الّتي كلّفه ربّه جلّ جلاله أن يقوم بوظائفها ، فجالت في خواطره ثلاثة تخوّفات تعترضه في سبيله للقيام بما أمره اللّه عزّ وجلّ به ، فعبّر عنها في مناجاته لربّه وهو يكلّمه بجانب الطور في اللّقاء الأوّل ، وفي الختام سأل ربّه مسائل تتعلّق بمخاوفه ، فقال اللّه له : لقد أوتيت سؤلك يا موسى . التخوّف الأوّل : أن تقتله السّلطة الفرعونيّة ، لأنّه كان قبل خروجه من مصر قد قتل من القبط رجلا ، انتصارا لإسرائيليّ وجده مظلوما معتدى عليه من قبل القبطيّ ، إذ وكزه وكزة بجمع يده على ذقنه فقضى عليه ، وكان المكان خاليا إلّا من الإسرائيليّ ، فدفنه على ما ذكر الإسرائيليون . وظنّ أن الخبر سيبقى خفيّا لن ينتشر بين المصريّين ولن يصل إلى القصر الفرعوني ، لكنّ الخبر فشى بين الإسرائيليّين ، ثم وصل إلى الأقباط بسرعة ، فإلى رجال القصر ، فرأى رجال القصر أن يقتلوه ، فأقبل إليه ناصح له صلة بالقصر ، وأخبره أنّ القوم يأتمرون به ليقتلوه ، ونصحه بأن يخرج من مصر ، فاستجاب لنصيحته ، ففرّ من مصر خائفا يترقّب من يعرفه فيقبض عليه ، لكنّ اللّه أعمى عنه العيون ، فخرج حتّى وصل إلى أرض مدين الّتي لم يكن للمصريين سلطة عليها حينئذ ، وقضى اللّه عزّ وجلّ له بأن يأمن ، ويرزق رزقا حسنا ، ويتزوّج ابنة الرّجل الصالح من المؤمنين بشعيب عليه السّلام ، وربّما كان رئيسا دينيّا في قومه ، كما يذكر الإسرائيليّون . وقد عبّر عن تخوّفه هذا بقوله لربّه كما جاء في النصّ الذي من سورة ( القصص ) وهو قول اللّه عزّ وجلّ فيه : قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ( 33 ) . وبقوله لربّه كما جاء في سورة ( الشعراء ) :