عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

76

معارج التفكر ودقائق التدبر

وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ( 14 ) . فأضافت هذه العبارة بيان أنّ تخوّفه من قتلهم له ، سببه أنّ لهم عليه ذنبا ، وهو قتله قبل أكثر من عشر سنين للقبطيّ . فأجابه اللّه عزّ وجلّ على هذا التخوّف بقوله له : [ . . . كلّا ] في الآية ( 15 ) من سورة ( الشعراء ) بهذه الأداة التي فيها معنى الزّجر ، أي : لا يليق برسول اختاره اللّه لحمل رسالته أن يخاف من القتل ، أو أن يشكّ في حماية ربّه له . وطمأنه على نفسه وعلى نفس أخيه هارون بأنّه سيحميهما من كلّ المخاوف ، وسيجعل لهما سلطانا من قوّة غيبيّة قاهرة ، تجعل بتدبيراته فرعون وملأه وجنودهم ، لا يفكّرون بقتلهما أو إيذائهما ، مخافة عاقبة ذلك ، لأنّ قلوبهم ستكون على يقين من صدقهما . وأبان اللّه له أنّ حمايته لهما ستكون بآياته الخوارق - جلّ جلاله وعظم سلطانه - ممّا هو ظاهر وممّا هو خفيّ غيبيّ . فقال تبارك وتعالى له كما جاء في سورة ( القصص ) : قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ ( 35 ) . [ سُلْطاناً ] : أي : قوّة قاهرة غيبيّة الأدوات أو مشهودتها . التخوّف الثاني : حال عقدة لسانه الّتي كان سببها أنّه في طفولته وضع جمرة في فمه بدل تمرة ، فاحترق طرف لسانه فصارت فيه عقدة ، وكان إذ ذاك في حجر فرعون كما ذكروا ، واللّه أعلم بسبب عقدة لسانه . فتخوّف عليه السّلام أن تكون هذه العقدة مانعة له من أن يحسن بيان رسالته لفرعون وملئه .