عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
46
معارج التفكر ودقائق التدبر
[ بِقَبَسٍ ] : القبس : لفظ يطلق على النار ، ويطلق على شعلة منها . وقد دلّت عبارة : [ لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ ] على أنّ موسى عليه السّلام وأهله كانوا بحاجة إلى نار يوقدونها ، وأنّ الزناد الذي كان معه لم يور فلم يستطع إيقاد النار الّتي يحتاجون إليها . ودلّت عبارة : [ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً ] على أنّهم كانوا تائهين عن الطريق الموصل إلى مصر ، فهم بحاجة إلى من يهديهم ، ويدلّهم على الطريق . ودلّ حرف [ عَلَى ] دون « عند » على أنّ موسى عليه السّلام قصد المشرفين على إيقاد النار ، لأنّهم يكونون أصحاب معرفة بالطريق غالبا . نظرة إلى ما جاء في النّصوص القرآنيّة الأخرى بشأن هذا الحدث : ( 1 ) جاء بيان هذا الحدث في سورة ( النّمل / 27 مصحف / 48 نزول ) بقول اللّه عزّ وجلّ : إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ( 7 ) . [ بِشِهابٍ ] : الشهاب : الشّعلة الملتهبة من النار . [ تَصْطَلُونَ ] : أي : تستدفئون . وهذه العبارة تدلّ على أنّهم كانوا يعانون من شدّة البرد . ولكن جاء في هذه الآية قول موسى لأهله على سبيل الجزم : سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ . بينما جاء التعبير في آية سورة ( طه ) على سبيل الترجّي لا على سبيل الجزم ، إذ قال فيها : لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً ( 10 ) ، فكيف نوفّق بين العبارتين ؟ أقول : يظهر أنّ موسى عليه السّلام لمّا رأى نارا فرح برؤيتها ، فقال