عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

47

معارج التفكر ودقائق التدبر

دون تريّث عبارته على سبيل الجزم ، كما جاء في آية ( النمل ) . ولمّا هدأت فرحته ، عدّل عبارته فجاء بها على سبيل الترجّي ، كما جاء في آية ( طه ) إذ رأى أنّ الجزم في مثل هذا لا يليق بحكيم عاقل رشيد ، وربّما قالت له زوجته : هل أنت واثق ممّا تقول على سبيل الجزم ، فتراجع عن جزمه ، وعدّل عبارته ، فجعلها بصيغة الترجّي . ( 2 ) وجاء بيان هذا الحدث في سورة ( القصص / 28 مصحف / 49 نزول ) : فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ( 29 ) . الجذوة : مثلّثة الجيم في اللغة ، وهي الجمرة الملتهبة . أضافت هذه الآية من سورة ( القصص ) أن رحلة عودته إلى مصر كانت بعد أن قضى أجل خدمته لصهره أبي زوجته ، وكانت أوفى الأجلين وأكملهما ، وهما ( 8 ) أو ( 10 ) سنوات . وأضافت بيان أنّ النّار التي آنسها قد رآها من جانب جبل الطور ، ويسمّى عند الإسرائيليين : « جبل اللّه حوريب » . وجاء التعبير في آيتي ( النمل ) و ( القصص ) بعبارة : [ بِخَبَرٍ ] * أي : بخبر عن الطريق الموصل إلى مصر . أمّا التعبير في آية ( طه ) فقد جاء بعبارة : أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً ، والمراد خبر يهديه الطريق الموصل إلى مصر ، فهو من التفنّن في التعبير ، قالوا : ولم تكن نارا ذات لهب يحرق ، وإنّما هو نور على شكل نار . فالآيات الثلاث متكاملات ، وفي بعضها بيان عن التعديل الذي جاء في عبارة موسى عليه السّلام ، من الجزم إلى الترجّي ، مع ما في تغيير بعض العبارات من تفنّن بياني .