ابن عربي
27
الفتوحات المكية ( ط . ج )
تصدير الفتوحات المكية بحر خضم ، وصاحبها شيخ كبير ، ألم بالعلوم الإسلامية جميعها بعد أن اكتملت وتنوعت وتعددت ، من لغوية وأدبية ، وفقهية وكلامية ، وطبيعية وفلسفية . وكانت له فيها جولات مختلفة ، يعرض بعض قضاياها ، أو يعلق عليها ويناقشها ، ويحاول بوجه خاص أن يخضعها لوجهة النظر الصوفية . وهى معين لا ينفد ، يستمد منه ابن عربي كما يريد ، ويعود إليه دون انقطاع . غذى بها « كتاب الفتوحات » جميعه ، والسفر الذي بين أيدينا خير شاهد على ذلك . فيه شئ من النحو واللغة وقدر من الفقه والكلام ، وإشارة إلى موضوع العلم الإلهي ومشكلة الحسن والقبح العقلين ، ووقوف عند فكرة العلة والمعلول ، والممكن والواجب . وابن عربي متمكن كل التمكن من التصوف ورجاله ، يحكى دقائق أخبارهم وينقل ما أثر من أقوالهم ، ويعرض في هذا السفر لكثيرين منهم ، وبخاصة أبى يزيد ، البسطامي ، وأبى مدين ، وبشر الحافي ، والحارث المحاسبي ، والدارني . ومما يلفت النظر أنه يتحدث عن ورع ابن حنبل ، وكأنه أحد الصوفية ، ويحكى عن بعضهم أقوالا قد لا نجدها في مصادر أخرى ، كتلك العبارة التي عزاها إلى الداراني ، وهى : « لو وصلوا ما رجعوا » . وكتاب « الفتوحات المكية » بهذا مصدر هام من مصادر تاريخ التصوف ورجاله ، إلى جانب ما فيه من حقائق علمية . وعنى هذا السفر خاصة بأمرين : أولهما السلوك والتصوف العملي ، وثانيهما أخبار القيامة والحشر والنشر . ففيما يتعلق بالسلوك ، وقف ابن عربي عند العزلة ، والصمت ، والجوع ، والسهر ، وتحدث طويلا على الورع والورعين ، وعن الفتوة والفتيان ، ولم يفنه أن يعرض للبهاليل ومجانين العقلاء ، أو عقلاء المجانين ، وفسر العبادات تفسيرا صوفيا ، فعدَّ الصلاة مناجاة ، والصوم مشاهدة ، ورأى في الحج درسا للصبر وألوانه . وللرياضات والخلوات والمجاهدات شأن كبير في الوصول ، والاهتداء إلى المعرفة الحقيقية . وأما حديث الآخرة فيسرف فيه إسرافا كبيرا ، فيردد ما قيل عن الصور والنفخ فيه ، وعن الصراط والميزان ، وعن الجنة والنار والأعراف ، وعن الحشر والنشر .