ابن عربي

46

الفتوحات المكية ( ط . ج )

« إنشاء الدوائر » كان ألف ابن عربي بعضها بمنزل « صفيه الولي » هذا ، وقت زيارته إياه سنة ثمان وتسعين وخمسمائة ( 598 ) وهو في طريقه للديار المقدسة بالشرق . ولا شك أن « الصفي الولي » الذي يشير إليه ابن عربي هنا هو أستاذه الروحي في المغرب ، الشيخ عبد العزيز المهدوي ، نزيل تونس ( 1 ) ، الذي صرح باسمه في هذا الباب ، كما كان أشار إليه في نهاية « خطبة الفتوحات » صراحة بالقصيدة الهمزية ( 2 ) ، وضمناً بالرسالة النثرية ( 3 ) . وهذا النص يحدد لنا ، بصورة عامة ، تاريخ كتاب « عنقاء مغرب » وبداية « إنشاء الدوائر » ( 4 ) أي أنهما من تواليف الفترة المغربية ، كما يعيننا على تعيين بعض فصول الفتوحات ، ومنها هذا الباب ، من الناحية التاريخية ، أي أنها من طوالع آثار الشيخ في المشرق . كما يكشف لنا هذا النص وأمثاله ، في الفتوحات وغيرها ، عن المكانة العالية التي يحتلها الشيخ المهدوي من نفس ابن عربي ، وعن ملامح هذه الشخصية الصوفية العظيمة في القرنين السادس والسابع للهجرة ، حيث المعلومات عنها ضئيلة جداً ، بحسب علمنا . أما النص الثاني فهو على جانب كبير من الأهمية ، من الناحية التاريخية والفكرية في آن واحد . وهو ذكرى لقائه الأول مع فيلسوف قرطبة العظيم ، ابن رشد ، قاضى إشبيلية في ذلك الحين . وقد تم هذا اللقاء بناء على رغبة الفيلسوف نفسه ، إثر دخول ابن عربي بطريق التصوف ، وظهور بعض البوادر « الروحية » الغريبة في حياته وسلوكه . وقيمة هذا النص الكبرى ، من الوجهة الفكرية خاصة ، أنه يكشف عن عقليتين ، أو عبقريتين مختلفتين تماماً : عقلية ابن رشد ذي النزعة الأرسطية المحضة ، وعقلية ابن عربي ذي النزعة العرفانية ، الإشراقية ، الأفلاطونية ( 5 ) . وما أصدق الشيخ ، في تصويره هاتين العقليتين ، عندما قال : « ثم أردت الاجتماع به مرة ثانية . فأقيم لي - رحمه الله ! في « الواقعة » في صورة ، ضرب بيني وبينه فيها حجاب رقيق ، أنظر إليه منه ولا يبصرني ولا يعرف مكاني ، وقد شغل بنفسه عنى . - فقلت : إنه غير مراد لما نحن عليه . » ( 6 ) بل ما أعظم « إنسانية » الشيخ « وجوديته » حينما وصف مشهد جثمان الفيلسوف العظيم بأحرف من نور : « فما اجتمعت به حتى درج ، وذلك سنة خمس وتسعين وخمسمائة ( 595 ) بمدينة مراكش ، ونقل إلى قرطبة ، وبها قبره . ولمَّ جعل التابوت الذي فيه جسده ، على الدابة - جعلت تواليفه تعادله من الجانب الآخر . وأنا واقف . ومعي الفقيه الأديب أن الحسن محمد بن جبير ، كاتب السيد أبي سعيد ، وصاحبي أبو الحكم عمرو بن السراج ، الناسخ . فالتفت أبو الحكم إلينا وقال : ألا تنظرون إلى ما يعادل الإمام ابن رشد في مركوبه ؟ هذا الإمام وهذه أعماله ؟ ! ( . . . )

--> ( 1 ) - انظر ترجمته في قسم « الاستدراكات » آخر الكتاب . ( 2 ) - انظر آخر القصيدة . - ( 3 ) - انظر آخر الرسالة . - ( 4 ) - انظر ما يخص هذين الكتابين في قسم « الاستدراكات » : توثيق الكتب . ( 5 ) - انظر ، كتاب L' Imagination Cr e atrice dans le soufisme d ' Idn ' Arabi par H . Paris . Flammarion . 1958 . ( 6 ) - ف 581 . -