علي بن عبد الكافي السبكي
637
فتاوى السبكي
إما على مذهب الحكماء وإما على مذهب المتشرعين أما الحكماء فلهم فيها مذاهب ثلاثة أشهرها عندهم مذهب أرسطو وأتباعه أنها يجب بقاؤها بعد مفارقتها البدن الثاني مذهب كثير من متقدميهم أنها يجب فناؤها والثالث التفصيل فإن كانت مفارقتها للبدن قبل تصور المعقولات وتجريد الكليات من الجزئيات فإنها لا تبقى وإن كانت قد تكملت بما حصل لها من التصورات الكلية والتصديقات العقلية في حالة اتصالها بالبدن فإنها تبقى وإن فارقت البدن وهذه كلها مذاهب فاسدة مبنية على قواعد فاسدة وأدلتهم وما يرد عليها مذكورة في المطولات والحق أن بقاءها مما ليس بواجب ولا مستحيل سواء تكملت أم لم تتكمل وأعني بالإمكان الإمكان العقلي وأما المشرعون فقد أطبقوا على أنها باقية بعد مفارقة البدن فإن ذلك ممكن كما قلناه وقد دلت الشرائع على وقوعه ولا أعلم بين الشرائع خلافا في ذلك إلا أن الإمام فخر الدين قال في العالم هذه الاعتبارات العقلية إذا انضمت إلى أقوال جمهور الأنبياء والحكماء أفادت الجزم ببقاء النفس فقوله جمهور الأنبياء يوهم عدم اجتماعهم على ذلك وهذا الإيهام غير معول عليه ولا أظنه أراده وفي أول كلامه أنهم أطبقوا على بقائها فهذا ما يجب اعتقاده واستقر الشرائع والكتب المنزلة وآيات القرآن والأخبار المتكاثرة التي لا يمكن تأويلها ويقطع بالمراد منها ما يدل على بقاء النفوس بعد مفارقة البدن ولا يشك في ذلك أحد من أهل الإسلام لا عالم ولا عامي بل زادوا على ذلك وادعوا إطلاق القول بحياة جميع الموتى ونقل جماعة من المتقدمين الإجماع على ذلك وقالوا في قوله تعالى ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله الآية إن هذا ليس خاصا بمن يقتل في سبيل الله وإنما قصد بالآية الرد على الكفار القائلين بعدم البعث وأن بالموت يفنى الإنسان بالكلية ولا يبقى له أثر من إحساس ونحوه فرد الله عليهم ولكن حياة الموتى مختلفة فحياة الشهيد أعظم وحياة المؤمن الذي ليس بشهيد دونه وحياة الكافر لما يحصل له من العذاب دونه والكل مشتركون في الحياة ومنهم من يبلى جسده ومنهم من لا يبلى والأرواح كلها باقية هذا دين الإسلام