علي بن عبد الكافي السبكي

609

فتاوى السبكي

برسالة ذلك النبي إليه وإما بموافقته لشرع نبيه وأمر الله له بالحكم بها والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم بشريعة أخرى لنسخ شريعته لسائر الشرائع فلم يبق إلا أن تكون شريعته وأن حكمها لازم لهم والاستدلال بأنه تحداهم بالقرآن كما تحدى الإنس به قد ذكره غير هذا القائل ممن صنف في ذلك واستدل بقول الله تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله هذا الاستدلال عندي ليس بالقوي لأنه قد يكون المقصود بذلك تحدي الإنس فقط والمبالغة في تعجيزهم بعجز من هو أقوى منهم وأقدر وأذكى والاستدلال بأنه أحل لهم كل طعام لم يذكر اسم الله عليه إن ثبت هذا الحديث بهذا اللفظ كان فيه دليل لأن الإحلال من جملة الأحكام فإذا أحل لهم فقد تعلق بعض أحكام شريعته بهم وهذا هو المطلوب لكن الذي أعرفه في الصحيح ما تقدم من أنه قال لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه وصيغته لكم ليست صريحة في الإحلال فقد يكون وسع عليهم بدعائه بعد ضيق الاستدلال بتحريم الاستنجاء بالروث والعظم من أجلهم ليس بجيد فإن التحريم متعلق بنا لا بهم والاستدلال بأن الرسل إليهم لم يكونوا إلا من الإنس لا أرتضيه وإن كان قد يحسن لأن كون الرسل إليهم لم يكونوا إلا من الإنس مختلف فيه وما نحن فيه مجمع عليه ولا حاجة إلى الاستدلال المجمع عليه بالمختلف فيه والخلاف المشار إليه هو قول الضحاك المفسر إن الرسل إلى الجن منهم لقوله تعالى يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم فقال الضحاك ومن تبعه بذلك وهو ظاهر الآية وقال الأكثرون لم تكن الرسل إلا من الإنس والكلام في ذلك يطول وليس هذا محله ولم يقل الضحاك ولا أحد غيره باستمرار ذلك في هذه الملة وإنما محل الخلاف في ذلك في الملل المتقدمة خاصة وأما في هذه الملة فمحمد صلى الله عليه وسلم هو المرسل إليهم وإلى غيرهم والاستدلال بالإجماع في ذلك صحيح وممن نص على الإجماع في ذلك أبو طالب عقيل بن عطية القضاعي وقد نبه على ذلك أبو عمر بن عبد البر في التمهيد وكذلك فعل أبو محمد بن حزم في كتاب الفصل وكثيرا ما يذكر