علي بن عبد الكافي السبكي
599
فتاوى السبكي
محمد صلى الله عليه وسلم قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن زاد مسلم في أول هذا الحديث من قول ابن عباس ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن وما رآهم ثم اتفق البخاري ومسلم من عند قوله انطلق وليست الزيادة المذكورة في البخاري وليس مراد ابن عباس بها إنكار قراءته صلى الله عليه وسلم على الجن أو رؤيته لهم مطلقا بل في تلك المرة التي حكاها في آخر كلامه ولو أراد ذلك لعارضه قول ابن مسعود الذي سنذكره ويقدم قول ابن مسعود لأنه إثبات وقول ابن عباس نفي والإثبات مقدم على النفي لا سيما وقصة الجن كانت بمكة وكان ابن عباس إذ ذاك طفلا أو لم يولد بالكلية فهو إنما يرويها عن غيره وابن مسعود يرويها مباشرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فالأولى أن يجعل كلام ابن عباس غير معارض لكلام ابن مسعود وأن يكونا مرتين إحداهما التي ذكرها ابن عباس وهي التي أشار إليها القرآن في سورة الأحقاف وفي سورة الجن لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قصدهم ولا شعر بهم ولا رآهم ولا قرأ عليهم قصدا بل سمعوا قراءته وآمنوا به كما نطق به الكتاب العزيز وثبوتها من حيث الجملة قطعي وأهل السير يقولون إن ذلك لما توفي أبو طالب وخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ومعه زيد بن حارثة وذلك سنة عشر من البعثة فأقام بالطائف عشرة أيام ثم رجع إلى مكة فلما نزل نخلة قام يصلي من الليل فصرف إليه نفر من الجن وهو يقرأ في هذا السياق ما يخالف ما ذكرناه عن البخاري ومسلم فلعل استماعهم في الصلاة حصل مرتين وتحقيق ذلك لا غرض فيه والمتفق عليه من ذلك قد نطق به الكتاب العزيز وهو استماعهم لقراءته وإيمانهم به وفي الكتاب العزيز زيادة على ذلك وهو رجوعهم إلى قومهم منذرين وقولهم لهم وهو ظاهر الدلالة في تعلق الشريعة بهم فلذلك ذكرنا حديث ابن عباس في الأدلة على ذلك وتعلق السائل به في ضد ذلك سنجيب عنه إن شاء الله ولو لم يثبت في قصة الجن إلا حديث ابن عباس لكفى لاسماعهم القرآن كاف في وصول الشريعة إليهم وقد قامت الأدلة على عمومها من غيره والنبي صلى الله عليه وسلم قاصد التبليغ لكل