علي بن عبد الكافي السبكي
559
فتاوى السبكي
لو لم يخف الله لم يعصه قد يقال إنه حكم عليه بعدم المعصية على تقدير عدم الخوف وهذا ينافي ما قلتم من أنه إذا انتفى الخوف كان مرجئا والجواب أنا لم نقل إذا انتفى الخوف يكون مرجئا مطلقا بل قلنا إن من عبد الله بالرجاء وحده كان مرجئا وإن تجريد الرجاء يوجب الجرأة والإقدام على المعصية وانتفاء الخوف أعم من تجريد الرجاء فإنه يبقى بعد انتفاء الخوف حالة أخرى وهي الحياء بمنع من المعصية فذاك على ذلك التقدير يعبد بالحياء لا بمجرد الرجاء فإن قلت فهذا الأثر من كلام عمر يقدح فيما قلتم من فساد العبادة الواجبة على تقدير عدم الخوف قلت الجواب تخصيص الكلام بالخوف من العقاب الأخروي لما قلناه إن الذم يخاف وهو لازم للوجوب اللازم للمعصية بتقدير الترك وعدم المعصية بتقدير الفعل فإن قلت ما الجواب عن الآية التي تمسكوا بها قلت تمسكهم بها من جهلهم بمرادها ومعنى الآية أنه ما يرسل بالآيات الدالة على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم إلا تخويفا للناس ليؤمنوا وإذا كان هذا معناها فأي دليل فيه على مذهبهم ولولا خشية الإطالة لزدنا في تقرير فساد الطائفتين الحرورية والمرجئة خذلهم الله وقول مكحول من عبد الله بالمحبة فهو زنديق فمعناه من لم يعبده خوفا منه ولا رجاء ولا لصفة أخرى غير المحبة ولا شك أنه متى فرض بهذه المثابة انتفى اعتقاد الوجوب وصار كمن يعمل لمن يحبه عملا لأجل محبته له لا لاستحقاقه عليه ذلك العمل ومن اعتقد هذا في حق الله تعالى فهو كافر وإظهاره للإيمان بلسانه وبطاعاته الظاهرة فقط مثل إظهار الزنديق الإسلام بالشهادتين وإسراره الكفر فلهذا شبهه بالزنديق من جهة أن اعتقاده كفر وعمله عمل الإسلام فإن قلت فقد جاء عن أكابر أهل الطريق قول بعضهم ما عبدناك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك وهذا من ذاك القبيل أفتقولون إن هذا كفر قلت ليس هذا من ذاك القبيل والقدر الذي لا بد منه ولا يصير المؤمن مؤمنا بدونه اعتقاد استحقاق الله العبادة على عباده سواء أم عذبهم فهو لذاته تعالى مستحق للعبادة بأمره تعالى ذاته استحق أنه مهما أمر به وجبت طاعته وحرمت معصيته ثم إنه بفضله تعالى وعد الطائعين