علي بن عبد الكافي السبكي
560
فتاوى السبكي
وتوعد العاصين والعاملون على أصناف صنف عبدوه لذاته وكونه مستحقا لذلك فإنه مستحق لذلك لو لم يخلق جنة ولا نارا فهذا معنى قول من قال ما عبدناك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك أي بل عبدناك لاستحقاقك ذلك ومع هذا فهذا القائل يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار ويظن بعض الجهلة خلاف ذلك وهو جهل فمن لم يسأل الله الجنة والنجاة من النار فهو مخالف للسنة فإن من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولما قال ذلك القائل للنبي صلى الله عليه وسلم إنه يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار وقال ما أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ قال النبي صلى الله عليه وسلم حولها ندندن فهذا سيد الأولين والآخرين يقول هذه المقالة فمن اعتقد خلاف ذلك فهو جاهل ختال ومن آداب أهل السنة أربعة أشياء لا بد لهم منها الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم والافتقار إلى الله تعالى والاستغاثة بالله والصبر على ذلك إلى الممات كذا قال سهل بن عبد الله التستري وهو كلام حق وصنف عبدوه خوفا من ناره وطمعا في جنته وهذا جائز أيضا وإن كان هو دون الصنف الأول وكلا الصنفين يعتقدون وجوب الطاعة واستحقاقها خاضعون تحت قهر الربوبية منقادون تحت أعباء التكاليف الشرعية مسخرون تحت ذل العبودية لا نقول كما قالت اليهود نحن أبناء الله وأحباؤه بلى نحن عبيده نواصينا بيده ماض فينا حكمه عدل فينا قضاؤه ومع ذلك نحبه ونسأله أن يحبنا وأما هذا الشخص الذي جرد وصف المحبة وعبد الله بها وحدها فقد ربا بجهله على هذا واعتقد أن له منزلة عند الله رفعته عن حضيض العبودية وضآلتها وحقارة نفسه الخسيسة وذلتها إلى أوج المحبة كأنه آمن على نفسه وآخذ عهدا من ربه أنه من المقربين فضلا عن أصحاب اليمين كلا بل هو في أسفل السافلين فالواجب على العبد سلوك الأدب مع الله وتضاؤله بين يديه واحتقاره نفسه واستصغاره إياها والخوف من عذاب الله وعدم الأمن من مكر الله ورجاء فضل الله واستعانته به واستعانته على نفسه ويقول بعد اجتهاده في العبادة ما عبدناك حق عبادتك ويعترف بالتقصير