علي بن عبد الكافي السبكي

520

فتاوى السبكي

كانت في العتق المتطوع به فلا يتجه فيه غير تقديم القريب نعم قد يعرض في بعض المسائل الجزئية ما يعارض ذلك كما إذا كان الأجنبي عالما وكان الناس بهم حاجة إلى التعلم منه ولا يمكنه الجمع بين ذلك وبين خدمة السيد ولا يمكن السيد أن يعتق القريب ويخلي بين الناس وبين الأجنبي العالم فنفوت مصلحة للسيد فهاهنا قد يقال إن عتقه لما فيه من المصلحة العامة أولى من عتق القريب الذي مصلحته قاصرة عليه وإن الذي في غاية الصلاح كما فرضه الشيخ عز الدين إذا أعتق عمرو جميع أوقاته بعبادة الله تعالى استمرار حسنات للسيد ما دام باقيا لكونه السبب في ذلك وقد يقال إن ذلك راجح على الحسنة الواحدة الحاصلة بإعتاق قريبه الفاسق ومن هذا يظهر وجه النظر الذي أبداه الشيخ وفكره رحمه الله أدق من ذلك وكذلك إذا كان الأجنبي متأهلا للاشتغال وظهرت عليه مخائل العلم فإعتاقه معين له على تأهله لرتبة العلماء والوقت محتاج إلى ذلك قد يترجح على عتق القريب فهذه الأمثلة كلها أنا أشارك الشيخ في التوقف فيها إذا وجدت كما فرضت من مثلي إلى تقديم القريب على مقتضى إطلاق الأحاديث المتقدمة وهو أولى من التخصيص بالرأي وأما ما اعتقده السائل من التقديم بوصف الصلاح على وصف القرابة فلا وذلك لا أثر له فيما نحن فيه البتة وأما استدلاله بقصة إبراهيم فذلك من أمور الآخرة والمغفرة وليس في الأمور الدنيوية التي الكلام فيها وقوله إن التقديم بالأصلحية أمر ديني والديني مقدم ظهر جوابه وأين يجب التقديم بالأمور الدينية وقوله وبسطه يطول ليس كما قال بل الذي يطول بسط بطلانه وقوله إذا قدمنا الأجنبي على القريب وقعت السلامة من الشوائب إلخ فاعلم أن هذه أيضا ارتباكة أخرى وذلك أن الرب تعالى أمر عباده بأوامر منها ما لاحظ للنفس فيه ومنها ما فيه حظ وقد وردت أوامر في الشريعة من هذا القسم الثاني منها ما هو على سبيل الوجوب ومنها ما هو على سبيل الندب كإيجاب الأكل على المضطر عند خوف الهلاك وإيجاب الفطر في ليل رمضان على القول بتحريم الوصال والأمر بنوم بعض الليل وإعطاء العين حظها وإعطاء الجسد حظه وإعطاء الروح حظها والإنفاق على نفسه وعياله وترتب الأجر على ذلك والحكم بكونه صدقة