علي بن عبد الكافي السبكي
392
فتاوى السبكي
إظهار شيء من شرائعهم وأما البلاد التي لهم فيها السبيل إلى ذلك فما صولحوا عليه فلم ينزع منهم وهو تأويل قول ابن عباس فمن بلاد الصلح أرض هجر والبحرين وأيلة ودومة الجندل وأذرح أدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية ومن الصلح بعده بيت المقدس ودمشق ومدن الشام دون أراضيها وكذلك بلاد الجزيرة وقبط مصر وبلاد خراسان وكذلك كل بلاد فتحت عنوة فرأى الإمام ردها إلى أهلها وإقرارها في أيديهم على دينهم وذمتهم كفعل عمر بالسواد وكذلك بلاد الشام كلها عنوة خلا مدنها وكذلك الجبل والأهواز وفارس والمغرب والثغور فهذه بلاد العنوة وروى أبو عبيد أنه بلغ عمر أن رجلا من أهل السواد أثرى في تجارة الخمر فكتب أن اكسروا كل شيء قديم عليه ووجد في بيت رجل من ثقيف يقال له رويشد فقال أنت فويسق وأمر به فأخرب ونظر إلى غرارة فقال ما هذه قالوا قرية تدعى غرارة يباع فيها الخمر فأحرقها قال أبو عبيد وجهه أن التجارة في الخمر لم تكن فما شرط لهم وإنما شرط لهم شربها ولهذا كتب عمر بن عبد العزيز لا يحمل الخمر من رستاق إلى رستاق وقال لعامله على الكوفة ما وجدت منها في السفن فصيره خلا فكتب عامله وهو عبد الحميد بن عبد الرحمن إلى عامله بواسط محمد بن المستنير بذلك فأتى السفن فصب في كل راقود ماء وملحا فصيره خلا قال أبو عبيد فلم يحل عمر بينهم وبين شربها لأنهم على ذلك صولحوا وحال بينهم وبين حملها والتجارة فيها وإنما نراه أمر بتصييرها خلا وتركها أن يصبها في الأرض لأنها مال من أموال أهل الذمة ولو كانت لمسلم ما جاز إلا إهراقها وكذلك فعل عمر بمال رويشد حين أحرق عليه منزله فلم يأمره أن يجعلها خلا وكان رويشد مسلما ولم نعلم أحدا رخص في تخليل خمر المسلم إلا الحارث العكلي وكان ابن سيرين يقول خل العنب ولا يقول خل الخمر وكان أبو إسحاق الفزاري يأمرهم بالثغر إذا أرادوا اتخاذ الخل من العصير أن يلقوا فيه شيئا من خل ساعة يعصر فتدخل حموضة الخل قبل أن يتبين فلا يعود خمرا أبدا قال أبو عبيد إنما فعل الصالحون هذا تنزها عن الانتفاع بشيء من الخل